“كيف غيرت أمريكا نهجها تجاه الإسلام السياسي؟”

تحت عنوان: “كيف غيرت أمريكا نهجها تجاه الإسلام السياسي؟”، أوردت مجلة ذي أتلانتيك تقريرا مطولا لكل من الباحث شادي حميد وبيتر ماندفيل وويليام مكانتس، بحثوا فيه التطور الحاصل في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات في كنف القيادات الإسلامية بين الدعم والإعراض.

“الشاهد” اطلعت على التقرير وقامت بترجمته إلى اللغة العربية، وفيما يلي نصه:

” في بعض الأحيان تنجح الجماعات الإسلامية، وفي أحيان أخرى تخفق.. ولكنها دائما ما تكون موضعا للاهتمام.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحتاج إلى إجابات ؛ ليس على تساؤلات حول طبيعة الحركات الإسلامية فحسب، بل حول السؤال الشائك سياسيا المتعلق بالأسلوب الذي ينبغي للولايات المتحدة الأمريكية أن تتصرف به حيالها أيضا.

والكيفية التي ينبغي أن تستجيب بها الولايات المتحدة وأوروبا، أو حتى لو كان ينبغي عليهم التعامل مع الأحزاب الإسلامية على أنها مميزة في المقام الأول، كانت مسألة مثيرة للجدل منذ أوائل التسعينات على الأقل.
وقد أعاد الربيع العربي، بعد عقدين من الزمن، هذه المعضلة الإسلامية إلى الواجهة، ووجدت واشنطن نفسها مرة أخرى في مرحلة تضارب.

وقد أدى صعود ما يعرفُ بتنظيم “الدولة الإسلامية”، فضلا عن انتخاب الرئيس ترامب مؤخرا ، إلى تعقيد وجهة نظر واشنطن للإسلام السياسي.

وبالرغم من مغادرة بعض الأطراف المنتمين للدائرة الداخلية لترامب،الذين يحملون وجهات نظر متشككة تجاه الإسلام، مناصبهم في الإدارة الأمريكية الحالية مثل مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، وكبير الاستراتيجيين السابق ستيفن بانون، ونائب مساعد الرئيس السابق سباستيان غوركا ، إلا أن هذا النوع من التوجس لا يزال يمثل عامل جذب مستمر لقاعدة ترامب الشعبية، وقد يشعر الرئيس بالإغراء للعودة إليه كوسيلة لحشد مؤيديه الرئيسيين وإلهائهم عن المشكلات السياسية الأخرى.

إن فهم المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة يتطلب العودة إلى الوراء بضعة عقود.
وعلى الرغم من أننا نعرف من البرقيات التي رفعت عنها وزارة الخارجية سريتها ، كان الإخوان المسلمون المصريون على رادار واشنطن أثناء الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فإن السياسة الخارجية الأمريكية لم تمنح أي أهمية خاصة للإسلاميين، بخلاف تساؤلات عما إذا كانت طبيعتهم الدينية قد تجعلهم شركاء مفيدين للولايات المتحدة في مرحلة اختبار انتشار الاشتراكية بين “العالم الثالث”.

ولم يحظ الإسلام السياسي باهتمام كبير من المسؤولين الأمريكيين حتى الثورة الإسلامية التي اندلعت في إيران عام 1979.
ولبعض الوقت، شكلت أحداث ذلك العام فهما أمريكيا للإسلاميين على الرغم من أن الفكر الثوري الشيعي الإيراني لم يكن متماشيا مع اتجاه معظم الإسلاميين الآخرين وكان غير نمطي للغاية حتى في التاريخ والتقاليد الشيعية.

وكان الحدث الذي حدد لهجة السياسة الأميركية تجاه الحركات الإسلامية السنية (الإخوان المسلمين) هو الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الجزائر عام 1991.

وعندما أصبح واضحا أن جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية كانت تتأهب للفوز بأغلبية الثلثين المطلوبة لتغيير دستور البلاد، تدخل الجيش لإلغاء النتائج، مما أدى إلى سقوط الدولة في غمار حرب أهلية لأكثر من عقد من الزمان.

وفي خطاب ألقاه مساعد وزير الخارجية الأميركي آنذاك إدوارد جرجيان في عام 1992، أشاد بتدخّل الجيش الجزائري واصفا إياه بـ “الحكيم”، لافتا إلى أن الإسلاميين كانوا سيستغلون صعودهم إلى السلطة عبر صناديق الانتخابات بشكل فعّال للاستيلاء على الدولة، وتفكيك الديمقراطية في وقت لاحق.

وفي الوقت نفسه، كانت الحركات الإسلامية السنية تتطور بسرعة مع الزمن. وبحلول منتصف التسعينات، كانت هناك دلائل واضحة على أن هذه الجماعات لم يعد من الممكن فهمها من خلال النسخة الأصلية لـ “الآباء المؤسسين” الإسلاميين، على غرار المصري حسن البنا، والباكستاني أبو الأعلى المودودي.
وبحلول منتصف القرن العشرين، أصبحت الأحزاب الإسلامية أحد العناصر المميزة للسياسات السائدة في المغرب ومصر وفلسطين ولبنان والأردن واليمن والكويت.
وفي تركيا عام 2002، فاز حزب العدالة والتنمية، صاحب الجذور الإسلامية بأول انتصار ساحق له.

وخلال الفترة نفسها، ظلت السياسة الأمريكية تجاه الإسلاميين تتسم بالحذر الشديد.
وفي عام 1995، أعلنت واشنطن توقف جميع اتصالاتها مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية.

وبعد هجمات 11 سبتمبر، كانت بعض الأصوات الأكثر تأثيرا والتي شكّلت وجهات النظر الأمريكية بشأن الإسلام السياسي – مثل إسرائيل ومصر – ترغب في تعزيز فهم نمط إسلامي يتسق مع مصالح أمريكا الداخلية.

ولاحقا، قررت معظم الأحزاب الإسلامية في العالم العربي مقاطعة الولايات المتحدة في بادرة احتجاج على الغزو الأمريكي للعراق.

وفي عام 2006، كان الرفض الأمريكي لانتصار حماس في الانتخابات الفلسطينية يؤكد في نظر الكثيرين فكرة أن الولايات المتحدة كانت ببساطة غير راغبة في السماح للإسلاميين بالحكم، حتى عندما يفوزون في انتخابات حرة.

ولكن بالنظر من زاوية مختلفة، يمكن القول إن امتناع واشنطن عن الارتباط بالإسلاميين كان محكوما بالواقعية السياسية.

فقد توقفت الولايات المتحدة عن الاتصال بالجماعة في مصر بناء على طلب من شريكتها، الحكومة المصرية.

ورفضت فوز حماس في الانتخابات بسبب قلقها من حليفتها الوطيدة “إسرائيل”، ولأن حماس كانت مصنّفة آنذاك كمنظمة إرهابية.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، تلقت أحزاب إسلامية أخرى في بلدان عديدة – بما في ذلك اليمن وإندونيسيا والمغرب والأردن – أشكالا مختلفة من الدعم والتدريب من خلال برامج الترويج للديمقراطية الممولة من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والصندوق الوطني للديمقراطية.
ولم تكن هناك سياسة متماسكة ومتعمدة تجاه الأحزاب الإسلامية في حد ذاتها؛ ولكنها كانت نتيجة ثانوية لمخاوف أخرى.

وفي مرحلة ما قبل الربيع العربي، توصلت جماعة الإخوان المسلمين والعديد من الحركات التي تلهمها إلى إجماع حول كيفية المضي قدما لتحقيق أهدافها وبذل قصارى جهدها لبناء نفوذ اجتماعي في ظل قيود النظام، وتحقيق نجاحات برلمانية صغيرة وهامة، في آن واحد، والانتظار من أجل انفتاح ديمقراطي، ثم ملء الفراغ السياسي حال مجيئه.

ولم يكن هناك حاجة لتكريس الكثير من الوقت في التأمل في مسائل الحكم، حيث أن توقعاته كانت تبدو بعيدة المنال. لقد طعنت الانتفاضات العربية في هذا النموذج، ثم جعلته يبدو صعبا.

إن حزبية الحركات الإسلامية كان من أهم سمات التطور الإسلامي منذ تسعينات القرن الماضي. وعلى مدى عقود، شجع المحللون وصناع القرار الغربيون على حد سواء الأحزاب الإسلامية على احتضان العملية الديمقراطية، وتقليص الاعتماد على الجذور الإسلامية، وتشكيل أحزاب سياسية “طبيعية”.

وكان ذلك مناسبا لتلك المجموعات، التي بعد أن تم تأسيسها من قبل أطباء ومهندسين ومعلمين، ليسوا بالضرورة أقوياء من الناحية الثيولوجية، ولكن يعرفون كيف يحصلون على الأصوات.

هذه الأولوية للانتخابات، التي وصفها بعض الإسلاميين أنفسهم بأنها “هاجس”، سهلت المناقشات الصعبة والمثيرة للخلاف حول طبيعة وأهداف الدولة القومية، وهي قضايا أصبحت أكثر أهمية عندما أتاحت للإسلاميين في كل من مصر وتونس والمغرب واليمن، فرص للحكم أثناء وبعد الربيع العربي.

وفي مواجهة العديد من الانتكاسات والعثرات، كان ينبغي على الأحزاب الإسلامية في كل من البلدان الاثني عشر التي نركز عليها في كتابنا الجديد، أن تتعامل مع المسائل الأساسية المتعلقة بكيفية حدوث التغيير بالفعل في وقت تعارض فيه النخبة و “الدول العميقة” الإسلاميين، وتشعر فيها الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية بالتوجس، إن لم يكن العداء، تجاههم.

فكيفية تعامل الإسلاميين مع هذه التحديات، بطبيعة الحال، ترتبط كثيرا بكيفية تطور الثورات المختلفة، والثورات المتجمدة، أو الفترات غير الثورية، في كل حالة بعينها.

على سبيل المثال، فإن الإطاحة بحكامٍ يخلق فراغا في القيادة، ومن ثم يدور تساؤل إذا ما كان بالإمكان لجماعات إسلامية منظمة تنظيما جيدا ملء هذا الفراغ، وهل أن انهيار هياكل الدولة بعد الثورة، من شأنه أن يؤدى إلى اندلاع صراعات عنيفة أو حرب أهلية؟ وفي الأماكن التي لم يتم فيها إسقاط الحكام، كيف تحقق الأحزاب الإسلامية توازنا بين الولاء الاسمي للأنظمة القائمة والمطالب الشعبية المنادية بالتغيير السياسي؟

إن من التحديات المشتركة التي تواجهها المنظمات التي تلهمها جماعة الإخوان ،التوترُ الذي ينشأ بين المؤسسات وأحزابها السياسية، التي غالبا ما توصف بأنها “أذرع” أو “أجنحة” للحركة.
فالضرورات المرتبطة بالبحث عن أصوات انتخابية ليست غالبا نفس ضرورات حركة تسعى لإحداث تحول اجتماعي ؛ إذ أن موعظة متشددة من أحد الدعاة قد تساهم في التأثير على مجموعة صغيرة لكنها بالمقابل تتسبب في نفور الحشود اللازمة للنجاح الانتخابي.
وفي نفس الوقت، فإن دعوة رئيس حزب للاعتدال لتجنب تهميش الجيوش أو الممالك قد تقلص من نسبة مشاركة المؤيدين المحافظين.
مثل هذه المعضلة أصبحت حادة بشكل خاص بعد الانتفاضات العربية، عندما كان على الإسلاميين التقليديين أن يقرروا إلى أي مدى يتنافسون في الانتخابات.

البعض، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حافظوا على علاقة ضبابية بين الحركة والحزب يعتمد فيه الثاني على الأول، مما دفع الناس إلى إلقاء اللوم على الحركة بسبب المصائب التي ضربت الحزب والعكس بالعكس.

وربما تكون حركة النهضة هي الحالة الأكثر تفردا، إذ أن الحزب والحركة هما شيء واحد قبل أن تتحول إلى حزب وتعلن الفصل بين الأنشطة “الدينية” و “السياسية”.

وفي حين رحب المراقبون الغربيون بشكل عام بمثل هذه الخطوات، إلا أنها أثارت العديد من التساؤلات حول ماذا يعنيه أن يكون حزب إسلامي لم يعد بعد -في الآن ذاته- “إسلاميا” بل “ديمقراطيا مسلما.”

وقد يرغب العديد من المراقبين الغربيين في أن يصبح حزب النهضة ديمقراطيا مسلما، ولكن هل يتبنى أنصار الحزب نفس الرؤية؟
لقد استمدت الأحزاب الإسلامية في كل الأحوال، نجاحها جزئيا من فكرة أنها ليست مجرد أحزاب؛ بل تمثل حركات أكبر نطاقا، مما يمنح لها النظام المؤسسي، ويوفر الخدمات الاجتماعية، ويمنحها القدرة على تمويل الحملات الانتخابية، والوصول الأوسع نطاقا إلى قطاعات المجتمع الأقل تسييسا.

ويتجلى التوتر بين الحزب والحركة بشكل خاص بين الجماعات الإسلامية الرئيسية مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي بمرور الوقت نظرت إلى الانتخابات كآلية أساسية للتغيير الاجتماعي والسياسي على حد سواء، حتى لو جاء ذلك على حساب الاهتمامات التقليدية الرئيسية مثل الوعظ والتعليم الديني والخدمات الاجتماعية.
والواقع أنه إذا كان هناك نتيجة واحدة ظهرت بوضوح من إخفاقات الربيع العربي، فإنها تتمثل في أن منظمات الإخوان المسلمين، لا سيما في العالم العربي، رأت في الانتصارات الانتخابية مقياسا نهائيا للنجاح.

بيد أن الوضع لم يكن دائما هكذا، فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها في عام 1928 أحد المدرسين يدعى حسن البنا، تهتم بشكل أساسي بالوعظ والتعليم، وتوظيف أعضاء جدد، ومعارضة الاستعمار، ثم مناهضة تأسيس إسرائيل في وقت لاحق. ووفقا لنظامها الداخلي، فإن جماعة الإخوان تهدف إلى “تنشئة جيل من المسلمين يفهم الدين بشكل صحيح ويتصرف وفقا لتعاليمه”. وحتى عام 1934، كانت لوائح الإخوان تحظر العمل السياسي المباشر.

وقد سعى البنا إلى إحداث تغيير المجتمع على نحو يتسم بالبطء والتدرج، بدءا من الفرد ثم الانتقال إلى الأسرة والمجتمع المحلي، ثم الحكومة في نهاية المطاف.
من الناحية النظرية، يبدو ذلك منطقيا ومعقولا إذا كان المرء يرغب في إعادة تشكيل المشهد السياسي دون معاداة السياسيين.
لكن من الناحية العملية، فإن لعب مثل هذه اللعبة الطويلة يصبح صعبا في مواجهة إغراءات السلطة والنجاح الانتخابي.
وكما يتضح من ردود فعل بعض الإسلاميين الواردة في مجلدنا الجديد، فإن بعض المنتمين للإخوان المسلمين بعد الانقلاب المصري في عام 2013 قد فكروا في التوتر الناجم بين الاستعجال في السياسات الانتخابية واتخاذ خطوة إلى الوراء لإعادة بناء قواعدهم الاجتماعية على المستوى المحلي.

وهناك خطورة في رؤية النجاح و “الفوز” بشكل أساسي من حيث وجهة نظر انتخابية على حد تعبير آفي شبيجل، الخبير في الحركات الإسلامية المغربية، الذي قال في هذا الصدد: “نحن نحب أن نقيس ونتعقب “الديمقراطية”، من خلال التركيز على الفائزين والخاسرين على حلبات سباق الخيول، ونصنفهم بين منتصرين ومنهزمين. ونحن ندرس هذه الأمور، أظن، بحكم الإعتقاد وربما الحمية، أن الفائزين في الانتخابات فازوا فعلا بشيء ما. ولكن في السياقات السلطوية – حتى في سياقات ما بعد الربيع العربي – هل يترجم هذا النجاح الانتخابي إلى وثيقة نجاح؟”

لقد كانت الصفقة في المغرب واضحة بما فيه الكفاية. فقد قبل حزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الإسلامي الرئيسي في البلاد، حدود نظام يتمتع فيه النظام الملكي بحق النقض على جميع القرارات الرئيسية.
في المقابل، يُسمح لحزب العدالة والتنمية بالتواجد القانوني والمشاركة والاستمتاع حتى بقدر غير كثير من السلطة. وهذا يعني، من الناحية العملية، أن حزب العدالة والتنمية لا يستطيع – على افتراض أنه يريد- إحداث تعديل أو تحويل كبير في سياسة البلد.
وبالمضي قدما نحو المستقبل 5 أو 10 أو 15 عاما، يبدو من الصعب تصور أن حزب العدالة والتنمية سينجز أكثر مما حققه الآن.

وبالمثل، يقدم إسلاميو باكستان نظيرا مثيرا للاهتمام للنموذج المغربي”. ومع ذلك، يبدو أنه لا يحظى باهتمام كبير إلا من عدد قليل جدا من المغاربة – أو الإسلاميين العرب في أي مكان –. فحزب الجماعة الإسلامية، المناظر للإخوان المسلمين في باكستان، يفوز عادة بعدد قليل من المقاعد البرلمانية. ولكن، وكما يشير شبيجل، فإن تلك الحركة الاسلامية ربما تكون أكثر تأثيرا من نظيرتها المغربية، من حيث “التعيينات القضائية المؤثرة، والعادات الدينية، والتقاليد التربوية، والأعراف الاجتماعية”. وثمة طرق أخرى إضافية بالنسبة لهم لتحقيق الفوز.

وفي جنوب شرق آسيا، لم تتمكن الأحزاب الإسلامية، رغم حصولها على حصة كبيرة من الأصوات، من الفوز مباشرة على الصعيد الوطني. ومع ذلك، فقد ساعدت تلك الأحزاب على انتشار “الإسلاموية” في جميع أنحاء المجتمع وتطبيعها، وحتى الأحزاب العلمانية ظاهريا تتبنى فكرة أن الإسلام، بل وحتى الضوابط الشرعية الصريحة، لديها دور هام تؤديه في الحياة العامة. وربما يبدو الدرس هنا بديهيا. فكلما تضاءلت حظوظ الإسلاميين في الانتخابات، كلما شكلوا تهديدا أقل لمنافسيهم غير الإسلاميين، الذين، بدورهم، يبدو أنهم لا يواجهون مشكلة في استخدام الأساليب الإسلامية لأغراضهم الانتخابية الخاصة.

وبطبيعة الحال، فإن العلاقات السببية تصبح معقدة: حيث أن أحد الأسباب التي لا يفعلها الإسلاميون كذلك في جنوب وجنوب شرق آسيا لأنهم أقل تميزا، هي أن هذه المجتمعات تبدو وكأنها تجمعت حول “وسط” غير مثير للجدل نسبيا. والديمقراطية تمكن وتشجع جميع الأطراف، الإسلامية أو غيرها، على السعي إلى المركز أينما كان.

ومع تحول المركز إلى اليمين، فإن الجماعات الإسلامية تزداد جرأة، ولا سيما في المجتمعات المستقطبة التي لا يدفع فيها المرشحون ثمنا كبيرا لتطرفهم. ولذلك ليس من المستغرب أن تشهد إندونيسيا، وهي أكبر ديمقراطية إسلامية في العالم، طفرة طائفية: ففي ماي 2017، لعب المرشح الإسلامي الذي كان قد اكتسب سمعة شاب “معتدل” على المشاعر المتحفظة المتشددة للإطاحة بحاكم جاكرتا، وهو مسيحي، الذي سجن في وقت لاحق بتهمة الكفر.

وقد تبدو إندونيسيا للبعض مكانا غير محتمل لعودة ظهور المشاعر الإسلامية، ولكن يمكن أن تكون أيضا تركيا وتونس. فقد كانت الدولتان الأكثر علمانية في الشرق الأوسط من بين أول البلدان التي تشهد وصول الإسلاميين إلى السلطة بشكل ديمقراطي. مصر، وهي واحدة من أكثر المجتمعات المحافظة دينيا في المنطقة، شهدت الآن انخفاضا في الحماس الإسلاموي لجماعة الإخوان المسلمين. إلا أن الروايات البسيطة عن “صعود” أو “سقوط” الإسلاموية تقول لنا القليل.

وفي الوقت الذي أطاحت فيه الثورات العربية بالأنظمة في تونس ومصر وليبيا في عام 2011، بدأت الولايات المتحدة بالفعل في التفكير في نهج جديد تجاه الإسلاميين.
وفي عام 2010، بدأ مجلس الأمن القومي العمل على توجيه دراسة رئاسية ركز فيها على مسألة ما سيبدو عليه الإصلاح السياسي الحقيقي في الشرق الأوسط، بما في ذلك تطبيع الإسلاميين كفاعلين سياسيين. ولذلك لم يكن التحدي المباشر بعد ثورات 2011 هو اتخاذ قرار بشأن زيادة التعامل مع الإسلاميين – فقد تدخلت إدارة أوباما بالفعل في هذه المسألة، بل في مسألة كيفية ومدى القيام بهذا التحول.

والطريقة الأكثر مباشرة لوصف النهج الأمريكي المتطور هي القول بأن واشنطن قررت عدم وضع سياسة محددة تجاه الإسلاميين. وداخل الإدارة، كان هناك اعتراف بأن جدول أعمال هذه المجموعات يختلف اختلافا كبيرا من بلد إلى آخر. وكان من المستحيل – وغير المجدي – معاملة جميع هذه الحركات والأحزاب بنفس الأسلوب.

ويبدو أن اتباع سياسة تجاه الإسلاموية، الذي يفهم على أنه تقليد إيديولوجي واسع، غير حكيم لأن السياسة الأمريكية تصاغ عموما – على نحو أفضل أو أسوأ – من حيث المصالح الأمريكية في بلدان معينة. وبنفس الطريقة التي لا تملك فيها الولايات المتحدة سياسة تجاه أحزاب الوسط، أو الأحزاب الخضراء، فإنه ليس من المنطقي أن تكون هناك سياسة كبيرة منفصلة تجاه الإسلاموية.

وكما أوضحت إدارة أوباما في الأشهر التي أعقبت الانتفاضات العربية، فإن الولايات المتحدة لن تعامل الإسلاميين إلا كأحد العناصر الفاعلة السياسية الجديدة التي تشكل مستقبل السياسة العربية. غير أن المسؤولين أشاروا إلى المجالات التي تثير قلقا مستمرا، معتبرين أن واشنطن مستعدة للعمل مع جميع المجموعات التي نبذت العنف، ودعمت المساواة في حقوق المرأة والأقليات. من جهة أخرى، أبلغت الولايات المتحدة الحكومة المصرية بقيادة محمد مرسي، وهو شخصية بارزة في جماعة الاخوان المسلمين، بأنها تتوقع أن تحافظ مصر على اتفاق سلام مع اسرائيل كشرط مسبق للتعاون الدبلوماسي المستمر.

ويمكن القول إن الاختبار الحقيقي للسياسة الأمريكية تجاه الإسلاموية لم يأت إلا بعد تولى مرسي السلطة التنفيذية في صيف عام 2012. وحتى ذلك الحين، ومع استمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة البلاد، كانت واشنطن مقتنعة بأن حليفها القديم، الجيش المصري، سيكون بمثابة الضامن النهائي للاستقرار بغض النظر عما إذا كان الإسلاميون سيفوزون بالانتخابات.
وبعد أن قام مرسي باستبعاد كبار الجنرالات في أوت (بينما كان من المفارقات أن يرفع عدو المستقبل عبد الفتاح السيسي إلى منصب وزير الدفاع)، أصبحت واشنطن أكثر حذرا من سلوك القاهرة.

وعندما أصبح واضحا أن الحكومة التي تقودها جماعة الإخوان كانت تحافظ بشكل أو بآخر على الوضع الراهن في أولويات السياسة الخارجية الرئيسية، فإن واشنطن عادت بسرعة إلى البديل في سياستها المصرية خلال العقود العديدة السابقة: أي العمل مع ودعم كل من في السلطة في القاهرة طالما أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية محمية.

والنتيجة الطبيعية لهذه السياسة هي بطبيعة الحال الفكرة القائلة بأنه من المتوقع أن تمتنع واشنطن عن الانتقاد الشديد لما يحدث في المجال الداخلي المصري. فبعد الانقلاب العسكري عام 2013، واجهت واشنطن معضلة؛ فإذا ما دعمت إسقاط السيسي للرئيس المنتخب بصورة شرعية في البلاد، يبدو أنها ستعود إلى التزامها الراسخ في عام 2011 بأخذ قضية الديمقراطية العربية على محمل الجد.
وعندما قتلت قوات الأمن المصرية حوالي 1000 شخص كانوا يحتجون على الانقلاب خارج مسجد رابعة العدوية في القاهرة في أوت 2013، كان الطرف العنيف من الرمح الطويل الذي وضعه السيسي للقضاء بشكل منهجي على الإخوان كفاعل سياسي وإعادة تصنيف الجماعة تحت عباءة “الإرهاب”. وقد وافقت واشنطن بشكل كبير على هذه الحملة ضد الإخوان وذلك بسبب قلقها من الاستقرار الإقليمي – الحرب الأهلية في سوريا، والعنف في ليبيا وسيناء، وفشل الحكم في العراق، والطموحات النووية الإيرانية -.

كما أدى صعود تنظيم الدولة الإسلامية إلى تعقيد حسابات واشنطن تجاه الإخوان المسلمين. فقد كانت الولايات المتحدة مستعدة للقيام بأي شيء من شأنه أن يسيء إلى تلك الدول – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر – التي تعتمد عليها لتنفيذ استراتيجيتها المناهضة لتنظيم داعش. يُذكر أن التعاون في مكافحة الإرهاب، الذي يعتبره شركاء واشنطن الإقليميون أنه يشمل جماعة الإخوان، كان محور خطاب ترامب في الرياض في ماي المنقضي.

وما يعنيه هذا من الناحية العملية هو أنه منذ صيف عام 2013، كان تعامل الولايات المتحدة مع جماعة الإخوان المسلمين شبه مستحيل. وفي ما يبدو أنه تقارب بين الحق السياسي وممارسة الضغط من قبل الحكومة المصرية، قام العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي في أواخر عام 2015 (ثم مرة أخرى في أوائل عام 2017) بإصدار تشريع في الكونغرس يسعى إلى تسمية جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية (فتو). وبعد فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية، كان هناك أيضا بعض الحديث عن متابعة مثل هذا التعيين من خلال إجراءات تنفيذية.

وفي حين أن الزخم على حظر الإخوان المسلمين يبدو أنه تباطأ في الزحف في وجه الانتقادات العالمية تقريبا من الخبراء والمحامين والدبلوماسيين، فإن مسألة كيف تنظر واشنطن إلى ظاهرة الإسلام السياسي الأوسع نطاقا لا تزال غير واضحة المعالم.

ومهما فعلت إدارة ترامب (أو لا تفعل)، فإن الإسلام السياسي سيبقى قوة اجتماعية قوية وقضيب البرق للسياسة الإقليمية. واليوم، يشكل الإسلاميون الحكومة الحاكمة في المغرب، وقوة معارضة رئيسية في الأردن، وثقل سياسي كبير في الكويت.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخرا لخبراء مؤسسة بروكينغز إلى أنه من المحتمل أن يعود الإسلاميون إلى السلطة في تونس بحلول عام 2020، وربما أيضا في سوريا واليمن في أعقاب تلك الحروب الأهلية. وإذا، أو عندما، يحدث ذلك، سيكون لدينا قدر هائل من المناقشات. ودعونا نأمل، بحلول ذلك الوقت، أن تكون لدينا إجابات أفضل لمشكلة التي ستكون قد ابتليت بها الولايات المتحدة لما يقرب من ثلاثة عقود.

بعزاوي ريحان