”معضلة اليسار التونسي أنه لم يستوعب متغيّرات المرحلة ما بعد الثورة”

خفايا الصندوق الاسود للأحزاب اليسارية في تونس، وتجربته السياسية حين كان قياديا في حزب العمال، وخلافاته مع الجبهة الشعبية اليوم، وتحالفه مع عبيد البريكي، أبرز ما تناوله محمد الكيلاني الناطق الرسمي باسم الحزب الاشتراكي في حواره الذي خص به “الشاهد”.

كما انتقد الكيلاني دور المركزية النقابية، والقراءات الفكرية لليسار التونسي، وموقفه من حركة النهضة وعديد القضايا الأخرى في نص الحوار التالي :

محمد الكيلاني، اول ما يتبادر للذهن شخصية يسارية في تاريخها وتكوينها الفكري والسياسي وفي تجربتها، كيف تجد اولا السند النظري، وأنت ايضا كاتب ومطلع جيدا على الفكر اليساري، لتحالفك مع اليمين ونقصد به لا اليمين في بعده السياسي فقط بل الاقتصادي والاجتماعي ؟ والى اي مدى ترى ان الديمقراطية السياسية فقط يمكن ان تخرج تونس من ازمتها ؟ ثم ألا ترى ان الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية هي منقذ تونس الوحيد؟

هناك فرق اساسي بين الخيارات الفكرية والمزايا الجوهرية وبين السياسة، في الخيارات هناك استراتيجية، مثلا انا لا يمكن أن التقي مع مهدي جمعة أو محسن مرزوق او الباجي قايد السبسي أو سليم الرياحي لأن خياراتهم المجتمعية ورؤيتي للعالم والانسانية تختلف تماما عن خياراتهم، بينما في السياسة يمكن للمختلفين ان يجتمعوا للبحث عن حلول وامكانيات مخارج للمشاكل المطروحة في تونس.

وهذا الالتقاء مرتبط بمهمة معينة، تتمثل بالنسبة لتونس في قضية الانتقال الديمقراطي وقضية الجمهورية، اي أن الاطراف التي تدافع عن مشروع الجمهورية بإمكانها ان تجتمع وتلتقي دفاعا عنها، بقطع النظر عن مرجعياتها الفكرية والسياسية، بالتالي فالسياسة هي الجامع لذلك التقيت مع سليم الرياحي ومحسن مرزوق والسبسي، وهذا لا يعني بالضرورة اني اتبنى فكرهم.

تُعد المركزية الديمقراطية حجر الزاوية في تنظيم اي حزب يساري، لكن في تطبيقها ندرك انه يستوجب تنظيم، ان صح القول، ‘ستاليني’ بمعنى مهيكل بطريقة جيدة، هل المشكل التنظيمي يؤدي بالضرورة للبيروقراطية ام تبقى المركزية الديمقراطية فاعلة حتى في حالة الانخرام التنظيمي للأحزاب اليسارية ؟

المركزية الديمقراطية لم يأت بها اليسار ولا ماركس، بل نشأت مع البورجوازية ومع الثورة البورجوازية الفرنسية وحتى الانقليزية، ظهرت لتوحيد الأمة والسوق حينها، وتوحيدها ما كان ممكن خارج الاطار المركزي، وهو ما حتم توحيد السلطة وتجميع سلطات القرار لأن السلطة كانت مشتتة ومع تطور الليبيرالية تطورت المركزية الديمقراطية، بالتالي هي كانت سابقة للماركسية لكن تم تبنيها من قبل الفكر اللينيني وأصبحت عنوانه.

هل انحرفت عن مسارها في تونس ؟

هي انحرفت عن مسارها في العالم أجمع، ولم يبقى حزب في العالم لم “يتبقرط”.

هل الأحزاب اليسارية داخل الديمقراطية البرجوازية وتمثيليتها في البرلمان والسلطات السيادية مهم وهو الهدف، ام ان دخولها هو فقط للفضح والتشهير بالسياسات الاقتصادية والسياسية لحكم اليمين، والغاية هو اسقاطها لا الحكم معها ؟

هذا يختلف باختلاف النظم، فمثلا اذا كان النظام برلماني، سيكون البرلمان هو الحاكم ويملك كامل سلطة القرار، لكن في تونس رغم ان نظامنا برلماني إلا ان البرلمان ليس له سلطة وحكم على شيء، هو في الحقيقة في تبعية للحكومة التي انتخبها وزكاها وفي تبعية ايضا لرئاسة الجمهورية التي اُنتخب رئيسها بسلطات محدودة، في هذه الحالة نكون في البرلمان او خارجه ليس هناك فرق، لأننا سنكون في البرلمان معارضين لا اكثر وليست لنا امكانية للمشاركة في السلطة، وان نكون خارج البرلمان ايضا لن يكون لنا تمثيلية نيابية بالتالي سنكون هامشيين على السلطة.

بالتالي أعتقد أن الحزب السياسي الذي يكون في البرلمان ولا يسعى الى المشاركة في الحكم، أضاع ثلاثة ارباع من وجوده التمثيلي، لأن اي وزير في الحكومة وممثل عن اي كتلة نيابية لديه سلطات واسعة على مستوى التنفيذ، وهو ما سيؤدي بالضرورة الى تطوير قاعدته الجماهيرية من خلال تقديم خدمات فعلية لجماهيره.

لا تجديد في القراءات للواقع التونسي والعربي من منظّري اليسار لا في الخطاب ولا الممارسة ولا القراءة ، هل اليسار بقي فكريا ونظريا رهين قراءات لينين وتروتسكي وستالين ..؟ ام أنه لم يستوعب الواقع الجديد المعولم ؟

معضلة اليسار التونسي أنه لم يستوعب اللحظة، تغيرت في تونس الاوضاع منذ الثورة لكن اليسار يواصل ممارساته القديمة، وتغير العالم ودخل عصر العولمة فيما بقي هو يعمل وفق نفس اليات التفكير، يعني من الطبيعي أن يظل اليسار يعيش وضعية الانتقال المغلق.

وبالنسبة لي لم اتوقف عن الكتابة ونقلت كل تفاصيل الانتقال الديمقراطي في تونس منذ 14 جانفي 2011 إلى حد اللحظة، وبالنسبة للعولمة كنت اول من كتب عن التغييرات الحاصلة في اليسار في العالم منذ عام 2000، رغم أننا لم نكن حينها نستطيع الترويج لكتاباتنا بشكل علني، فكانت في شكل كراسات تُروج سرا، كما اننا كالحزب الاشتراكي، لم نقدم على اي خطوة سياسية دون تشخيص الواقع وفهمه ودون مراجعة تجاربنا السابقة.

كذلك نحن مختلفون عن بقية اليسار لذلك لدينا اشكاليات في التأقلم مع بقية الاحزاب التي تمثل جزء منه، باعتبار منظومتنا مختلفة، فهم باقون في التاريخ القديم، ونحن ماضون في مجاراة الطريق الحديث ومع التطور الجاري.

هل انت مستعد للمشاركة في حكومة تشارك فيها حركة النهضة ؟

هذا يختلف حسب الارضية، فاليوم حركة النهضة منتخبة ومتحالفة مع حركة نداء تونس وتشكل الاغلبية البرلمانية ولن تُشكل أي حكومة دون ان تصادق عليها، بالتالي مشاركتي معها في حكومة يتوقف على البرنامج الذي ستعمل وفقه.

لو أخذنا مثال وثيقة قرطاج فمن الأرجح تقييمها على اساس النقاط الواردة فيها، إذا كانت تتضمن اتفاقات ونقاط نرى أنها لصالح البلاد والكادحين وقادرة على حل الاشكاليات والمعضلات الاساسية فمن الممكن أن نشارك مع بقية الاحزاب في الحكومة، دون الالتزام مع حركة النهضة، أي مشاركة وليس تحالفا، لكن طالما أن رؤيتها لم تتغير لن نلتقي معها.

لماذا لم يتقدم حزبك بطلب للانضمام للجبهة الشعبية؟

هي ليست سلطة أو جهة حكومية نتقدم لها بطلب، هي تنظيم يجب أن ينفتح على باقي الاحزاب ويستدعيهم للنقاش، وتطرح عليهم برنامجها، ومع ذلك نحن توجهنا لها بطلب للنقاش حول عديد المسائل لكنها كانت منغلقة.

الجبهة الشعبية، ومع احترامي لقياداتها، تنظيم منغلق رغم تعددها من حيث الشكل خاصة أنها تعتبر نفسها تمثل اليسار ومحتكرة لليسار دون غيرها والحال أنها تضم جزء من اليسار، فيما يمثل اغلبها البعثيين والقوميين، وهذا بالتحديد ما أغلق باب النقاش معها، ثم هم لم يعرضوا علينا رسميا المشاركة معهم.

لماذا رفضت التحالف مع النهضة ضد نظام بن علي ودعوت للتحالف معها الآن؟

حركة النهضة تحمل مشروع دولة عقائدية واستبدادية ومجتمع تفرض فيه عقيدتها وهو ما لا يناسبنا، لأننا لا نعتبره مجتمع حرية، لذلك نرفض التحالف معها، نشير هنا ايضا الى أن تصريحاتها في مؤتمرها الاخير، ليست إلا تغييرات جزئية، لا علاقة لها بالواقع ولا بمرجعيتها الفكرية.

الحركة لو تخلت عن فكرها الاخواني، لتعاملت معها كأي حزب ليبيرالي حتى لو كان مرجعها اسلامي، لأن هدفها الرئيسي أسلمة الدولة والمجتمع، ونشاطها يقوم على تنصيب أشخاص على معيار التبعية والولاء وليس على اساس الكفاءة.

انت تدعو لتوحيد اليسار في حين أنك لم تقدر على توحيد شقوق حزب العمال الذي كنت من مؤسسيه؟

أنا استقلت من حزب العمال لأن الحزب توقف عن التفكير ولم يعد قادرا على التجديد، حتى انه لا يقبل الاختلاف ولا التفاعل، وتبقى نقطة الاختلاف التي أفاضت الكأس، المؤتمر الـ21 لاتحاد الطلبة حول التمثيلية النسبية لكل المكونات، بعد تمرير قرار فوقي ينص على تمثيل 11 عضو عن حزب العمال وعضو واحد مستقل واخر عن الوطد.

رغم ذلك بقيت الى حدود سنة 1998، لم أخطو خطوة باتجاه تكوين تنظيم خاص وبقيت اطالب بإعادة فتح النقاش داخل الحزب لكنه رفض.

كما أن اليسار به ثنايا مختلفة ومرجعيات كثيرة، وتوحيده لا يمكن أن يكون الا حول حد أدنى من الفكر الديمقراطي والاجتماعي، ولا يمكن توحيده حول مشروع، ويجب ان يقوم الحد الادنى على ترك الخلافات النظرية والمرجعيات الايديولوجية والاستراتيجية، كأشياء فردية خاصة بكل فرد وكل مجموعة وكل حزب.

على هذا الأساس قد تتوفر قواسم مشتركة بين مختلف مكونات اليسار يخول لها التجمع داخل كتلة واحدة.

محمد علي اللطيفي