التناحر السياسي في تونس…

تجمع كل الأطراف المتابعة للشأن التونسي، أن مرحلة الانتقال الديمقراطي تواجه تعثرا واضحا، عقّد عملية بنائها من جديد بعد ما شهدته من أحداث إبان الثورة، ويتفق المحللون والخبراء على أن البلاد تسير على السكة الصحيحة في مسارها الانتقالي، لكن شيئاً من المسار إليه لم يحدث حتى يومنا، ما تُرجِم فعلياً عبر إطالة أمد المرحلة الانتقالية.

اليوم وبعد سبع سنوات من اعلان تونس الجديدة، عجز القائمون على الدولة على بناء مؤسساتها التي تلائم ديمقراطيتها الحديثة، عبر الايحاء بأزمات سياسية تخترق البلد ما يعني مواصلة الضغط على الشارع وعلى المؤسسات للقبول بالأمر الواقع، الذي يترنح فيه المسار الانتقالي، بعد تأخر استكمال عديد المسائل التي تساهم في بناء الدولة من جديد.

ويرى مراقبون ان الساحة التونسية الداخلية هادئة رغم كل الاضطرابات، وليست الأزمة الخانقة التي تمر بها الدولة إلا بسبب تناحر الأحزاب السياسية وصراعها على المناصب وعلى اقتسام الغنائم ما يجعل الارضية سانحة لثبيت السمار الانتقالي وحتى التسريع فيه، شرط توافق الاحزاب.

في هذا الشأن، أكد أستاذ العلوم السياسية إبراهيم العمري في حديثه لـ”الشاهد”، ان مرحلة البناء في تونس تأخرت كثيرا، وتداخلت المراحل بين البناء والانتقال، حتى توسعت كثيرا مرحلة الانتقال، وهو ما اعتبره خطيرا.

وأشار العمري الى أن الأطراف السياسية التي اعتلت المشهد التونسي بعد ثورة 17 ديسمبر لم تصل بعد الى مرحلة الاقلاع الحقيقية، لافتا الى ان المحطة الانتخابية المقبلة ستكون مفصلية بالنسبة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

المحلل السياسي، أكد أيضا، أن المرحلة الانتقالية بعد الثورة عرفت اتجاهين أحدهما كان سياسيا والاخر اقتصادي واجتماعي، ويرى ان الجانب السياسي حقق نجاحا نسبيا، تمثل في تحقيق تعايش بين مختلف التيارات رغم الصراعات الايديولوجية، كما تم تحقيق بعض المؤسسات الدستورية، وتحقيق الدستور الذي يُعتبر في حد ذاته مكسبا.

في المقابل، عرف البعد الاقتصادي والاجتماعي فشلا ذريعا ويرى ان في هذه النقطة يكمن “العراء السياسي”، الذي كشفته الثورة، مشيرا الى ان الشعب التونسي ثار على اللاتنمية، واللاعدالة الاجتماعية والبطالة.

واعتبر محدث “الشاهد” أن السياسيين فشلوا فشلا ذريعا منذ 2010 الى اليوم في وضع منوال تنموي جديد ينقذ البلاد ويحقق العدالة الاجتماعية، خاصة أن الطبقة الوسطى اضمحلت حتى اختفت تماما فيما توسعت الطبقة الفقيرة.

وأرجع العمري ذلك الى ما وصفه بـ”النفاق السياسي”، والوعود الانتخابية التي فاقت في مجملها حجم الامكانيات فضلا عن تواصل الفساد الذي أعاق الادراة التونسية حتى بلغت مديونية تونس حوالي 70%.

هذا وتأخر نواب الشعب في استكمال ارساء الهيئات الدستورية، باستثناء هيئة الانتخابات التي وصفتها الاستاذة في القانون الدستوري سلسبيل القليبي في تصريحها لـ”شاهد”، أنها الهيئة الدستورية الوحيدة التي تعمل وفق معايير دستورية، فيما تتخبط الهيئات الاخرى في مشاكلها، كما تاخر استكمال الهيئة الدستورية أحد أعمدة الانتقال الديمقراطي.

ويشهد المجلس الاعلى للقضاء من جهته عدة صعوبات حالت دون انطلاق عمله تمثل اساسا في رصد اعتماداته المالية، وقد دفع التاخر في رصدها المجلس الى رفع قضية ضد رئيس الحكومة ووزارة المالية المسؤولتان على هذه الاعتمادات.

وتشهد من جهة أخرى الانتخابات البلدية صعوبات أدت الى تأجيلها من 17 ديسمبر 2017 الى 25 مارس 2018، وقد تتأجل مرة أخرى بسبب عدم تمكن مجلس نواب الشعب من التصويت لرئيس للهيئة يخلف شفيق صرصار الذي استقال من المنصب منذ حوالي ستة أشهر.

جابلي حنان