لتحقيق العدالة الاجتماعية… حان الوقت لرفع دعم المواد الأساسية بهذه الكيفية

لاشكّ أن الوضع الاقتصادي اليوم في بلادنا آخذ في التدهور يوما بعد يوم. وآخر مظاهر هذا التدهور ما آل إليه اليوم حال الديوان التونسي للتجارة الذي أصبح على شفير الإفلاس اليوم بسبب ما استشرى فيه من فساد وتلاعب وسوء تصرف.
وهذه نتيجة طبيعية وحتمية عندما تخوض الدولة غمار التجارة وتتلهى عن الحكم ووضع الحلول والسياسيات كما قال العلامة إبن خلدون “إذا تعاطى الحاكم في التجارة فسد الحكم وفسدت التجارة”. وها نحن رأينا فساد السياسة وها نحن اليوم نرى فساد التجارة بسبب تدخل الدولة فيها ودعم منتوجاتها والاستمرار في انتهاج أساليب اقتصادية قديمةاكل عليها الدهر وشرب..
فديوان التجارة الذي يتاجر في كل المواد المدعمة من سكر وقمح وعلف وغيرها، على حافة الخراب وهو يحتاج إلى الدعم اليوم أكثر من المواد الغذائية الأساسية.
إلا أنه في ظل المناخ الاقتصادي الراهن، والتطور الكبير والسريع للمجتمعات، وتزايد الاستهلاك، لابد من البحث عن حلول جديدة تحفظ القدرة الشرائية والمعيشية للمواطن البسيط بعيدا، عن ديوان التجارة ودعم المواد الأساسية التي طالما تمتعت بها اللوبيات وبعض الأطراف النافذة في الصناعات الغذائية وما شابهها وبقيت من مشاغل الفقراء ومحدودي الدخل اليومية مثل الزيت والسكر وغيرهما..
ولا حلّ في هذا الصدد أفضل وأنجع من رفع الدعم كليا عن المواد الاستهلاكية الأساسية وتوحيد سعرها للجميع من الفقراء والأغنياء ومتوسطي الحال، لتحقيق عدالة اجتماعية أوضح وأكثر شفافية، ولكن بعد إرساء برامج دعم حقيقية لمستحقيه من المواطنين بما يكفل حقوق الجميع. فميسور الحال لا يحق له وخاصة في ظل هذه الأوضاع والظروف الانتفاع من دعم الدولة للمواد الاستهلاكية فهو قادر على شراء الخبز بـ400 م للرغيف الواحد وقادر على دفع 2 دينار في لتر الحليب أو الكلغرام من الطحين أو الكسكسي أو المقرونة.. فلما يتمتع الميسورون من رجال الأعمال والفلاحين وإطارات الدولة الذين يفوق دخلهم الشهر 4 أو 5 ملايين شهريا، بدعم المواد الاستهلاكية التي خصصت في الأصل للفقراء؟ هل هذا من العدل في شيء؟
العدل هنا يقتضي رفع منظومة الدعم الحالية وترويج المنتوجات الأساسية بأسعارها الحقيقية مقابل إرساء منظومة دعم جديدة خاصة بمحدودي الدخل تقدم لهم التعويض سنويا بما يتناسب ومداخيلهم السنوية. وهذا بعد إعداد برنامج للتصريح بالدخل للفئة الاجتماعية المستحقة لدعم الدولة والمجموعة الوطنية في المنتوجات الغذائية الأساسية.
كأن يتم فتح مكاتب جبائية خاصة تحت إشراف الدولة تقوم بنفس عمل القباضات المالية وتدرس ملفات محدودي الدخل و يتم توظيف بها جزء من اصحاب الشهائد المعطلين عن العمل ويتم بها دراسة ملفات دخل ضعاف الحال و صغار التجار والحرفيين والموظفين وغيرهم ممن يستحقون الدعم والتدقيق في ملفاتهم ومنحهم بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية منحة سنوية بعنوان الدعم على المواد الأساسية تكون في شكل بطاقات إلكترونية تحتوي الرصيد المناسب لكل شخص من محتاجي الدعم ويتم استعمالها فقط في اقتناء المواد الغذائية من المساحات التجارية الكبرى على سبيل المثال..
وبهذه الطريقة تكون الدولة قد وفرت نسبة مهمة من تكاليف الدعم المعمول به حاليا قد يصل إلى مئات من ملايين الدينارات، وكذلك قطعت الطريق أمام عصابات الفساد واستعمال المواد الأساسية المدعمة في أغراض صناعية غذائية او تجارية كما هو الحال اليوم بالنسبة للقمح والعلف والزيت والسكر حيث أصبح الزيت المدعم مثلا يباع بالمحاباة للفقراء ومحدودي الدخل أو بالشرط والاحتكار. وتكون كذلك الدولة قد رفعت يدها عن الأنشطة التجارية فتزدهر التجارة وتُدفع عجلة الاقتصاد والتنمية. ويتلهى أهل الحكم في حكمهم وأهل التجارة في تجارتهم.
اسكندر الرقيق