جدل متواصل حول ملفّ البنك الفرنسي-التونسي

لا يزال ملفّ البنك الفرنسي التونسي يثير ضجّة على الساحة ، منذ صدور الحكم الدولي الذي يتهم الحكومة التونسية بانتهاك حقوق المستثمر الاجنبي وخرق النظام العام الدولي ، مـا خلق شدّا و جذبا و اتهامات متبادلة و تساؤلات عن الطرف المسؤول عن الوقوع في هذه الثغرة .

و في خضم هذه القضية، اكد وزير املاك الدولة والشؤون العقارية، مبروك كورشيد، ان قضية البنك الفرنسي التونسي تهدد المالية العمومية نظرا لان الحكم اذا صدر سيحمل الدولة التونسية المسؤولية منذ سنة 1989.
واوضح خلال جلسة استماع نظمتها، الخميس، لجنة المالية والتخطيط والتنمية بمجلس نواب الشعب، ان الهيئة التحكيمية الدولية اعتبرت ان الصلح الذي قامت به الدولة التونسية مع ممثل مجموعة الاستثمار الاجنبية، باطلا لذلك قررت تحديد تعويضات منذ سنة 1989.

واضاف ردا على استفسار النائب منجي الحرباوي حول مدى صحة تغريم تونس 400 مليون دينار من قبل البنك الفرنسي التونسي، ان هذا القرار كان نتيجة « ان ممثل المجموعة كان قد سجن في عهد الرئيس زين العابدين بن علي وامضى العفو تحت الاكراه لذلك منحته محكمة التعقيب العفو التشريعي العام في سنة 2012 واعتبرته ضحية سياسية وهو ما تم عليه بناء الحكم ».

وتحفظ الوزير على اعطاء بعض التفاصيل وقال انه لم يتم الى حد الان تحديد المبلغ المطلوب لكن الطلبات كبيرة جدا.

جدير بالذكر، ان هذه القضية كانت قد اثارت جدلا كبير خلال الاشهر الاخيرة، وكان وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية السابق سليم بن حميدان قد وجه أصابع الاتهام إلى مبروك كورشيد، ونبّه رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى ما وصفه بـ”التجاوز” الذي ارتكبه كورشيد عبر خرقه توصية آمرة للمحكمة الدولية وردت بالفقرة 421 من القرار التحكيمي.

واعتبر بن حميدان، في تدوينة نشرها على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، أن كورشيد عرّض مصالح تونس للخطر وسمعتها للتشويه، داعيا رئيس الحكومة الى إقالته فورا وإرسال اعتذار عاجل للهيئة الدولية.

كما اتّهم كورشيد بـ”الجهل”، قائلا: “فعلا هو جاهل جهلا مضحكا بأبجاديات القانون ومؤسسات الدولة فهو لا يعرف أن العفو الذي يتهمني بمنحه لخصم الدولة لا يمنحه أيّ وزير ولا حتى رئيس الحكومة أو الجمهورية ولكن القضاء ممثلا في أعلى هيئاته ألا وهي محكمة التعقيب”.

جدير بالذكر أن كورشيد كان قد كشف في جويلية الماضي إن الدولة التونسية ستتخذ كل الاجراءات الممكنة بخصوص الحكم الصادر ضدها لفائدة البنك الفرنسي التونسي، والقاضي باقرار تعويضات هامة (تقديرات تفوق المليار دينار).

و في محاولة لطمأنة الرأي العام ، قال كورشيد : “إن التعويضات لن تدفع بشكل فوري ذلك أن الحكم لم يحدد، بعد، المبالغ المفروضة، وان هذا الأمر سيستغرق ما بين 4 او 5 سنوات”.
كما أكد ان حكومة الوحدة الوطنية لم يكن لها دور في هذه القضية، التي تعود أطوارها إلى سنة 1981، مشيرا الى أن آجال الترافع انتهت في مارس 2016.

و تابع كاتب الدولة بشأن الظروف التي حفت بالقرار الصادر ضد الدولة التونسية: “يمكن ان نسامح في كل شيء مع محامي، إلا الخيانة”. واشار الى انه “لولا الخيانة، ما كان للدولة التونسية ان تخسر قضية البنك الفرنسي التونسي” متابعا “لقد تمت خيانة الدولة التونسية. عندما نمنح وثيقة ثمينة للخصم ليستعملها للقضاء عليك، هذا يسمى خيانة…”.

كما لفت الى ان الوثيقة “الثمينة” التي رجحت كفة خصوم الدولة التونسية سلمت لهم سنة 2012 وهي وثيقة عفو تؤكد ان الخصم (ممثل المجموعة) كان ضحية وان كل ما تعرض له إبان فترة حكم بن علي ينصهر ضمن “الاضطهاد السياسي وان كل التزاماته تجاه تونس كانت تحت الضغط”.

واضاف بالطبع استفاد الخصم من هذه الوثيقة ليرفعها الى هيئة التحكيم التي اقرت بوضعه كـ”ضحية”. وبين ان القرار الصادر يشمل الفترة اللاحقة لسنة 1989 وليس بداية من سنة 1981.

وتابع ان الدولة التونسية سلمت خصومها في 2012 “مفتاح القضية” وهو ما ادى الى صدور هذا القرار في 2017. وحمّل كورشيد المسؤولية لوزير املاك الدولة والشؤون العقارية آن ذاك.

وابرز كورشيد ان الدولة التونسية “لم تجابه منذ قضية النفيضة في القرن 19 مثل هذا الملف الخطير الذي يوشك ان يثقل كاهل المالية العمومية للدولة”.

جدير بالذكر انه خلال الأيام القليلة الماضية ، كثر الشدّ و الجذب عقب صدور حكم من قبل هيئة التحكيم الدولي التابعة للبنك الدولي “CIRDI” في قضية المستثمر الاجنبي “BFT” وسط صمت مريب و مخيف للمسؤولين في تونس .

الحكم الصادر يؤكد انتزاع ملكية البنك الفرنسي التونسي من طرف الدولة التونسية تحت الاكراه، و اعتماد الدولة التونسية انتهاك حقوق المستثمر الاجنبي وخرق النظام العام الدولي ناهيك عن القانونين الدولي والتونسي و بالتالي فيه ادانة صريحة و واضحة لتونس التي أدارت هذه القضية بشكل سيء على مدى اكثر من 35 عاما.

و للإشارة فإن من شأن هذا الحكم أن يخلّف تداعيات على الجانب الاقتصادي تتمثل في توجيه رسالة سيئة للمستثمر و هي ان الاستثمارات في تونس غير مضمونة في الوقت الذي تعمل الحكومة على جلب المستثمرين الاجانب ..