ظـاهرة الإنتحار .. آفـة وجدت طريقهـا في صفوف الشباب التونسي !

تفشت ظاهرة الانتحار في تونس بعد ثورة 2011 إلى درجة أنها أصبحت تنذر بخطر يتهدد المجتمع، خاصة بعدما انتشرت هذه الظاهرة في صفوف الشباب و حتى الأطفال الصغار ، الذين بات إقدامهم على اتخاذ مثل هذه الخطوة لوضع حد لحياتهم ينبئ بخلل أخلاقي واجتماعي يجب معالجته والتصدي له.

وتشهد الإحصائيات المتعلقة بحالات الانتحار في تونس ارتفاعا من سنة إلى أخرى، وفق ما يوثقه المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ووفق تقرير المرصد، تم في سنة 2016 تسجيل 857 حالة انتحار، في حين بلغت هذه الحالات 549 حالة سنة 2015.

وخلال السداسي الأول من سنة 2017، تم تسجيل 354 حالة انتحار ومحاولة انتحار ، علما أنه تم إحصاء 106 حالة خلال شهر فيفري وحده.

وبلغ عدد الأطفال الذين انتحروا أو حاولوا الانتحار، وأعمارهم لم تتجاوز 15 سنة، 51 طفلا سنة 2016 و54 طفلا سنة 2015 و24 طفلا خلال السداسي الأول من سنة 2017.

وتصدّرت القيروان قائمة الولايات في عدد حالات ومحاولات الانتحار بـ 120 حالة وقعت في عام 2016، ما يمثل 30% من إجمالي الحالات والمحاولات التي بلغت 908 حالات، بينما سجلت الولاية 89 حالة انتحار في عام 2015، من إجمالي 549 حالة في تونس بنسبة 16,21%، وفقاً لإحصاءات العامين الماضيين، وفق رئيس فرع المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالقيروان رضوان الفطناسي .

وتأتي تونس في المرتبة التاسعة عربياً في حالات الانتحار بمعدل 2.4 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص، بحسب آخر تقرير حول ظاهرة الانتحار أعدته منظمة الصحة العالمية في عام 2016.

وحسب المكلف بالإعلام في منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر فإن المرصد أجرى دراسة لمختلف الإحصائيات المتوفرة لديه، من اجل التعرف على الأسباب المباشرة للانتحار ، كاشفا أن “المشاكل العائلية والظروف الاقتصادية والاجتماعية أهم ثلاثة أسباب تدفع بالتونسيين للانتحار”.

هذا و أفاد بن عمر أن الأسباب التي تدفع بالشخص نحو التفكير في الانتحار، وفق رمضان بن عمر، باختلاف الفئة العمرية، حيث قال إن

“الأطفال مثلا الذين أعمارهم أقل من 15 سنة يقدمون على الانتحار بسبب الضغوط العائلية المسلطة عليهم والتي تفوق طاقة تحملهم لها”.

في حين “يحاول الشباب الانتحار بسبب تردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية وعجزهم عن تحسين وضعياتهم”.

وأكد المختصون أن هذه الظاهرة جديدة على المجتمع التونسي، واعتبروها انعكاسا لما حدث من انحدار في الأخلاق والسلوك، وتولدت أساسا من الكبت الذي عانى منه المجتمع على مدار سنوات طويلة ومن انشغال الوالدين بالعمل عن تربية الأولاد وترك تربيتهم لجهات أخرى، وغياب القدوة الصالحة التي يمكن أن يقتدي بها، والاهتمام المبالغ فيه بالأخبار السلبية والحوادث من قبل وسائل الإعلام.

وفسر الطبيب المختص في علم النفس عماد الرقيق انتشار ظاهرة “الانتحار” في تونس خاصة في هذه الآونة الأخيرة، بارتباطها بالظروف العائلية الصعبة وغياب التفاهم والآذان الصاغية والاستماع إلى الأبناء والأطفال وغياب التواصل بين جميع أفراد الأسرة الواحدة، والمعاملات الطيبة وغياب العاطفة في التعامل وغياب الرعاية الاجتماعية والنفسية، وهو ما دعا الشباب أو الاطفال أو الكهول إلى اتخاذ القرار الخاطئ لديهم.

و من جهته، قال الطبيب والباحث في القضايا النفسية والاجتماعية، أحمد الأبيض، “الناس يفكرون في الانتحار بسبب تعرضهم لمعاناة عجزوا في إيجاد حل لها”، لافتا إلى أن منطقة “العلا” بولاية القيروان، التي تسجل أعلى نسبة في حالات الانتحار، هي منطقة تقع في آخر ترتيب المناطق في تونس من حيث التنمية والنمو، وبذلك فإن تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية يدفع بالأشخاص إلى اليأس من الواقع ومن الحياة.

و ذكر الطبيب أحمد الأبيض أن من يفكرون في الانتحار يعيشون عادة تحت ضغط نفسي واجتماعي، “فالشخص لسبب ما يشعر بالحزن ويتعمق هذا الشعور ويتحول إلى اكتئاب، ثم يستسلم لهذه المشاعر السلبية ويفكر في الموت والانتحار”.

و من جانبه، اعتبر الحقوقي مسعود الرمضاني، أن “الانتحار يعد انعكاسا لحالة الإحباط التي يشعر بها التونسي وخاصة الشباب وقد تنعكس كذلك في ظواهر أخرى مثل الهجرة السرية أو السفر إلى بؤر التوتر والانضمام إلى داعش”.

و تابع الرمضاني الحديث في ذات السياق أن الشباب التونسي بعد الثورة علق أمالا كبيرة وحلم بتغيير الوضع وإيجاد الشغل والكرامة، إلا أن عدم تحقق هذه الأحلام جعله يشعر بالإحباط ويفكر إما في الانتحار أو في ترك البلاد.