مقبرة “غُرباء” التونسية.. ضاقت بجثث المهاجرين غير الشرعيين

التونسي شمس الدين مرزوق (50 سنة)، بحّار وهب حياته لإغاثة المهاجرين غير الشرعيين، ودفن الجثث التي تقذفها أمواج البحر المتوسط إلى السواحل الجنوبية التونسية.

ويعمل “مرزوق” بحّارا مثل الكثير من أبناء مدينة جرجيس الساحلية، وينشط ضمن الهلال الأحمر التونسي بمحافظة مدنين(جنوب)، حيث كرّس حياته للعمل التطوعي الإغاثي خاصة مع تزايد عدد المهاجرين من ليبيا إلى أوروبا عبر قوارب الموت.

ويقوم الناشط التونسي وحيداً بعملية انتشال الجثث التي تقذفها الأمواج إلى شواطئ سواحل محافظة مدنين (في كل من مدن بنقردان وجرجيس وجزيرة جربة)، ودفنها داخل مقبرة خاصة بالمهاجرين غير الشرعيين، يطلق عليها اسم “غُرباء”.

وفي حديث للأناضول، يقول مرزوق: “فقط الحسّ البشري الذي يوجد داخلنا جميعا، يدفعني للقيام بهذا العمل التطوعي، فلولا الظروف المتأزمة داخل بلدانهم لما خرج هؤلاء المهاجرين من أوطانهم .”

ويضيف “الأكيد أن الكثير من هؤلاء قد عانوا المتاعب في حياتهم حتى غرقوا في البحر، ومن العيب أن لا يتم دفنهم أو أن تتم العملية في مقابر جماعية كما تفعل العديد من الدول”.

ويتابع: “لذا أقوم شخصياً بانتشال الجثث من السواحل ودفنها منفردة بطريقة تليق بإنسانيتهم”.

وعلى بعد 7 كلم تقريباً من مركز جرجيس، وبين غابة من أشجار الزيتون، تقع مقبرة “غُرباء” للمهاجرين غير الشرعيين، وسط مصب للفضلات.

ووسط أكوام من التراب المتراكمة على بعضها قِيل إنه يرقد تحتها أكثر من 300 جثة لمهاجرين غيرلشرعيين، أغلبهم أفارقة يتم تحديد هوية بعضهم عبر لوحة رقمية دون غيرها .

والواقف أمام المقبرة لا يشي له أنه في حضرة جثث مهاجرين غير شرعيين، انتهت بهم رحلة “الفردوس المفقود”(أوروبا) في أعماق البحر، لتقذفهم الأمواج على السواحل التونسية الجنوبية، ومنها إلى مكان أشبه بمصب للفضلات في جرجيس.

وبحسب مرزوق، فإنه تم إنشاء هذه المقبرة منذ أكثر عن الـ14 سنة، بعد تزايد أعداد الجثث المنتشلة على سواحل تونس الجنوبية، حيث يتولّى عملية دفن الجثث باستعمال معداته خاصة.

ويوضح “في السنوات الأخيرة تزايدت تجارة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، ومعها تزايد عدد الجثث المنتشلة على سواحل جرجيس وجربة وبنقردان “.

وحول عملية الدفن، يقول مرزوق: “أنتشل الجثث من عرض البحر ثم أنتظر الإجراءات القانونية والتراخيص، بعد ذلك أقوم بشكل فردي بعملية الدفن التي نواجه فيها ظروفا صعبة للغاية حيث لا تتوفر الإمكانيات اللازمة للقيام بالعملية في إطار احترام الذات الإنسانية”.

ومضى شارحا: “يتواصل العمل حتى في شهر رمضان الكريم إلى ساعات متأخرة من الليل أحيانا، لتعاطفي الكلّي مع هؤلاء المهاجرين من أصول إفريقية الذين يُواجهون الجوع والفقر في بلدانهم ثم يأتوا إلى ليبيا للتوجه نحو الدول الأوروبية”.

ويطالب البحار، من السلطات التونسية منحهم معدات لمساعدتهم في عملية الدفن إضافة إلى إمكانية اقتناء أرض أخرى مُسيّجة لدفن المهاجرين.

ويشرح أن “مقبرة غُرباء امتلأت ولم يبق سوى مكان لجثتين أُخريين، وسط توقعات بانتشال عشرات الجثث الأخرى خلال الأيام القادمة”.

ولا يقتصر “مرزوق” عمله الإنساني على ذلك فحسب، بل يساعد أيضاً هيئات الإغاثة العالمية التي تتولى عملية إنقاذ المهاجرين في المتوسط عبر التسريع في الإجراءات والتوسط لدى سلطات بلاده لتسهيل عملهم.

مرزوق، أيقونة العمل الإنساني في تونس، يعرض نفسه للخطر مرتين، الأولى عند مساعدة المهاجرين، إذ يمد “طوق النجاة” للغرقى، والثانية قد يتعرض فيها في أي لحظة لـ”افتكاك مركبه من بعض المهاجرين”.

بن علي مجول