جدل ملفّ الاتّجار بالبشر و انتهاك الذّات البشرية في تونس متواصل: رغم زخم التشريعات الرادعة.. الظاهرة مستفحلة!

يعد الإتجار بالبشر من أبشع و أشنع الجرائم التي من شأنها التعدّي على الذات الإنسانية و انتهاكها ، و لئن تعددت المنظمات والمؤسسات المناهضة لكل أصناف انتهاك الذات البشرية و الاتجار بها ، فإن هذه الظاهرة لا تزال متواجدة في شتى الدول ، خاصة منها بلدان العالم الثالث ..

و قد كثر الشد و الجذب في الفترات الأخيرة عن مسألة الاتجار بالبشر في تونس و مدى تفشي هذه الظاهرة بها رغم تقدمها في مجال الحقوق و الحريات و تعدّد المنظمات الناشطة صلبها و المهتمة بحقوق الانسان .

وفي هذا الصدد، قالت روضة العبيدي رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالأشخاص الإثنين 6 نوفمبر 2017 ”، إن ظاهرة الإتجار بالأشخاص من أكثر الظواهر المعنية بها تونس، وأن هذه الظاهرة تصنف كثالث جريمة على المستوى العالمي.

وأكّدت روضة العبيدي أن محتلف ظواهر الإتجار بالأشخاص موجودة في تونس خاصة منها الإستغلال الاقتصادي المتمثل في التسول وإستغلال الفتيات الصغار كمعينات منزليات، مشيرة إلى أن الظاهرة الوحيدة غير الموجودة فيما يتعلق بالإتجار بالأشخاص في تونس هي ظاهرة الإتجار بالأعضاء البشرية، معتبرة أنّ هذه النقطة إيجابية جدا.

وأكدت أن ظاهرة الإتجار بالأشخاص متفشية بصفة كبيرة ويمكن مشاهدتها في كل الأماكن لكن في أغلب الأحيان يتم غظ النظر عن هذه الظاهرة.

و بحسب أرقام صادرة عن وزارة الداخلية فإنّه هناك اشكال مختلفة للاستغلال أو الاتجار بالبشر في تونس وأهمها استغلال النساء جنسيا أو ما يسمى “الاستغلال في البغاء”، وقد تم رصد 500 حالة استغلال جنسي سنة 2015 نسبة 1 بالمئة منهم ضحاياها من الأطفال، و105 وسطاء في هذا النوع من الاستغلال نسبة 52.6 بالمئة منهم من الذكور.

هذا إلى جانب الاستغلال عن طريق شركات التوظيف بالخارج التي تقوم بإبرام عقود وهمية يتم فيها التغرير بالضحايا عبر إيهامهم بالعمل كمضيفات أو فنانات لينتهي بهن المطاف للعمل مرغمات في الملاهي الليلية.

و وفق العبيدي، فإن المنظمة ستتابع 120 جريمة اتجار بالبشر في تونس تم رصدها من قبل فرع منظمة لهجرة الـدولية في تونس بين سنتي 2012 و 2016.

وأوضحت العبيدي،في تصريحات سابقة، أن هناك استنغلال كبير للأطفال في التسول واستغلال “دعارة الغير” أي إجبار النساء على إمتهان الدعارة، إلى جانب استغلال عديد الأفارقة في تونس للقيام بمهام منزلية وغيرها.

وأشارت العبيدي أيضا إلى وجود حالات متعددة من السياحة الجنسية في تونس واستغلال عملة المنازل الذي يمثل عملا “عبوديا”، على حد وصفها.

وبينت المتحدثة أن “جرائم الاتجار بالبشر داخل الأراضي التونسية تقع تحت طائلة الجرائم الخطيرة حيث يتم استغلال ضحية باعتبارها في موضع ضعف لا قوة، مشيرة إلى أن جريمة الاتجار بالبشر مصنفة ثالث أكبر جريمة منتشرة في العالم بعد تجارة الأسلحة والمخدرات.

وللحد من إرتفاع هذا النوع من الجرائم، أكدت العبيدي أن المنظمة تسعى لوضع استراتيجية لمقاومة الاتجار بالبشر في تونس مع وضع قاعدة بيانات وإحصائيات للجرائم والقيام بالتكوين والتدريب للمتدخلين في هذه الظاهرة.

وأشارت إلى أن الهيئة تعمل أيضا على تبادل المعلومات الخاصة بظاهرة الاتجار بالبشر مع الأطراف الداخلية والخارجية بهدف التنسيق لمحاصرة ومنع هذه الجريمة من الانتشار، إضافة إلى التعهد بالضحايا في حالة احتياجهم لتدخل طبي أونفسي أو قانوني أو قضائي.

وشددت رئيسة الهيئة الـوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، في ذات التصريح، على أن الهيئة تعمل على ضمان حصول المتضررين على تعويضات في حالة ثبوت تعرضهم للاستغلال، ومساعدة الضحايا في حالات الترحيل إلى الخارج خاصة بالنسبة للأجانب.

و من جانبها ، كشفت رئيسة منظمة “لسنا للاتجار” رشا حفار عن وجود مئات النساء التونسيات اللواتي تم استغلالهن جنسيا في عدد من الدول العربية، كما دعت إلى تنظيم حملات توعية حول مفهوم جرائم الإتجار بالبشر وكيفية الوقاية منها والإحاطة النفسية والاجتماعية بالضحايا، بعد تشديد العقوبة على الجُناة.

وقالت رشا حفّار رئيسة منظمة «لسنا للإتجار» في تصريح سابق للقدس العربي أن ” هناك خمسمائة امرأة تونسية تم استغلالهن جنسيا عام 2015، كما أن وزارة الداخلية تعرّفت على 177 ضحية من النساء التونسيات اللاتي تم الإتجار بهن جنسيا في بعض دول الشرق الأوسط كالإمارات والأردن ولبنان عام 2013، من بينهن القضية المشهورة المتعلقة بـ85 امرأة تونسية تاجر بهن شخص لبناني ادعى أنه سيؤمن لهن عملا في مطاعم وصالونات للحلاقة في الإمارات، لكنه بدّل وجهتهن لاحقا ووجدن أنفسهن ضحايا للإتجار الجنسي في مواخير لبنان، كما أن المنظمة الدولية للهجرة سجلت 106 حالات للإتجار بالبشر في تونس بين عامي 2012 و2016″.

و في إطار مكافحة ظاهرة الإتجار بالبشر ، أفادت الحقوقية بأن المنظمة تقوم بدور شامل يتعلق بالوقاية عبر التعريف بجريمة الإتجار بالبشر، و أنها تسعى مع وزارتي التربية والتعليم العالي لإدخال هذا المفهوم ضمن مناهج التعليم لتوعية الطلاب منذ الصغر بمفهوم جريمة الإتجار بالبشر لتجنبها مستقبلا.

علاوة على ذلك ، تقوم المنظمة بإعداد بحوث وإحصائيات حول ضحايا الإتجار، وفق رئيسة “لسنا للإتجار” .
و أردفت قائلة : ” المشكلة في تونس أنه لا يوجد أرقام دقيقة حول عدد الضحايا بسبب صعوبة الوصول إليهم، ونعمل أيضا على تأمين ملاجىء لإيواء الضحايا وحمايتهم، ونراعي عموما الوضع الهش الذي تعيشه الضحية”.

كما أشارت حفار إلى أن للمنظمة أيضا شراكة مع وزارات الشؤون الاجتماعية والعدل والداخلية والمنظمات غير الحكومية كجمعية «بيتي» والتي تملك ملجأ للضحايا، حيث قامت بمساعدة 18 ضحية بين عامي 2012 و2015، فضلا عن منظمات أخرى كالصليب الأحمر، وأرض الملجأ، وأطباء العالم، وغيرها.

جدير بالذكر ان مجلس النواب كان قد صادق في جويلية من سنة 2016 على قانون جديد يكافح الإتجار بالبشر، وهو ما اعتبر نقلة نوعية ، وفق المنظمة الدولية للهجرة.