إستغلال القاصرات في العمالة المنزلية

استغلال الأطفال و تشغيلهم كعملة بالمنازل ظاهرة ليست بالجديدة في تونس ، و حتى مـا بعد الثورة مافتئت تطالعنا بين الفينة و الأخرى أنباء عن استغلال قاصرات و تشغيلهن كمعينات منزليات لدى أسر ميسورة الحال و معاملتهن بشكل مهين، ممّا أثار جدلا كبيرا على الساحة الحقوقية و علت الأصوات صادحة للمطالبة بسنّ تشريعات تحمي الطّفل و تعاقب كلّ من يتواطأ ، من قريب أو من بعيد ، لاستغلاله و العمالة به .

و رغم أن القانون التونسي يجرّم تشغيل الأطفال القصر دون 18 سنة، إلا أن النص القانوني غير كاف لمعالجة ظاهرة تفاقم تشغيل الفتيات كمعينات منزلية ، مما فاقَمَ الظاهرة أكثر.

وتبلغ نسبة العاملات بالمنازل القاصرات التي تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاما 17.5 بالمئة يعشن بلا حماية ولا يعرفن حقوقهن ويعانين من هشاشة بدنية بحكم صغر سنهن إلى جانب عدم تأهيلهن وتكوينهن.

وتتصدر ولاية جندوبة قائمة الولايات المصدرة في مجال تشغيل الأطفال كمعينات منزلية بنسبة 27.4 بالمئة ثم القصرين والقيروان بنسبة 16.4 بالمئة ثم بنزرت 9.6 بالمئة، وقد وصل الأمر في محافظة جندوبة إلى حدّ إقامة سوق أسبوعية في الغرض وفق دراسة نشرتها جمعية النساء التونسيات للبحث حول التمنية.

و كان مجلس نواب الشعب قد صوت في 26 جويلية 2017 على الفصل 19 من مشروع القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، الذي ينص على أنه يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ستة اشهر وبخطية من ألفي دينار إلى خمسة ألاف دينار كل من يتعمد تشغيل الأطفال كعملة منازل بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

ويسلط نفس العقاب المذكور بالفقرة المتقدمة على كل من يتوسط لتشغيل الأطفال كعملة منازل ، ويتضاعف العقاب في صورة العود ، وتعرض مجرد المحاولة صاحبها للعقاب.

يذكر أن وزيرة المرأة و الأسرة والطفولة نزيهة العبيدي أقرت في شهر مارس 2017، بوجود ما أسمتها ظاهرة “البيع والمتاجرة بالفتيات القاصرات”، مؤكدة أن الوزارة تتابع هذه الحالات التي تتنافى مع مقتضيات مجلة حقوق الطفل، ومع قانون العمل الذي يمنع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة.

و في خضم هذا الشأن، قال الباحث في علم الاجتماع سامي نصر إن الخصاصة والانقطاع المبكر عن الدراسة من أهم أسباب تشغيل القاصرات كمعينات منازل، مشيرا إلى أن المناطق الأقل تنمية تعتبر المصدرّ الرئيسي للعاملات القاصرات باتجاه المناطق الأكثر ثراء.

وأضاف نصر ، في تصريحات غعلامية لصحيفة العرب، أن “هناك أولياء للأسف يحملون عقلية أن الفتاة مشروع استثماري لجني الأموال ولا بد من تشغيلها في سن مبكرة من أجل مساعدة العائلة ماديا”، مشيرا إلى ضرورة توعية المواطنين بالمخاطر النفسية والبدنية لاشتغال الأطفال بصفة مبكرة.

وانتقد نصر “غياب آليات الرقابة والتبليغ عن حالات تشغيل القاصرات رغم وجود قانون يجرّم مثل هذه الممارسات”، داعيا إلى تكثيف الحملات التوعوية وإرفاق القوانين الزجرية بآليات رقابية للتصدي لمثل هذه الظواهر.

ومن جانبه، قال رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف إنّه “ليس هنالك معطيات إحصائية دقيقة حول ما يحدث للأطفال الذين ينقطعون عن المدارس ويتم تشغيلهم، لكن ما تتم ملاحظته بصورة عامة هو أنّه يتم استغلالهم اقتصاديا سواء كانوا ذكورا أو إناثا عبر العديد من القطاعات المختلفة”.

وقال الشريف إن ظاهرة عمالة الأطفال موجودة في أغلب ولايات الجمهورية ومنتشرة بكثرة في مناطق الشمال الغربي من بينها جندوبة وبنزرت، معتبرا أن التراكمات الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة الفقر والانقطاع المبكر عن الدراسة، تساهم في تفاقم هذه الظاهرة وسط صمت السلطات وعدم تفاعلها الجدي لمعالجة هذه المسألة.

ودعا الشريف إلى ضرورة وضع استراتيجيات وضوابط تحمي الطفل مستقبلا من الاستغلال الاقتصادي في أعمال لا تناسب سنه وذلك من خلال تأطير الآباء وتوعيتهم بمخاطر تشغيل الأطفال النفسية والبدنية.

وانتقد الشريف غياب آليات إبلاغ عن مثل هذه المخالفات القانونية، مطالبا بوضع رقم أخضر على ذمة المواطنين من أجل الإعلام في صورة وجود حالات لتشغيل الأطفال القصر.

سوسن العويني