شوقي الطبيب: بعض العقوبات “هزيلة” ويجب التشديد فيها

تمضي تونس قدما في الحرب التي تشنها منذ أشهر ضد الفساد من خلال جملة الاجراءات التي تقوم بها من اعتقالات متواترة لأطراف ثبت تورطها في قضايا فساد مالي ، و مصادرة أموال لرجال أعمال فاسدين ، فضلا عن إصدار قوانين جديدة تكافح الكسب غير المشروع والفساد في القطاع العام ..

و انطلقت لجنة التشريع العام منذ مطلع الأسبوع الجاري في مناقشة مشروع القانون عدد 89 لسنة 2017 والمتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بالقطاع العام، وفي هذا السياق استمعت اللجنة المذكورة إلى ممثلين عن رئاسة الحكومة وعن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والبنك المركزي وغيرهم.

و تعقيبا على نص مشروع القانون، دعا رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب إلى التشديد في بعض العقوبات الواردة في مشروع القانون عدد 2017/89 المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بالقطاع العام.

واعتبر الطبيب أن الخطايا المالية من قبيل 300 دينار أو اقتطاع ثلثي المرتب عقوبات لا قيمة لها لاسيما ونحن بصدد الحديث عن فساد إداري من شأنه تمكين الفاسدين من جني أرباح تفوق هذه الخطايا مقترحا تعويض هذه العقوبات بعقوبات جسدية.

وبخصوص قائمة المشمولين بالتصريح بالمكاسب والمصالح اقترح رئيس الهيئة توسيعها وهو ما اتفق فيه مع عدد من نواب اللجنة مطالبا بإضافة عدد من الخطط الوظيفية للقائمة على غرار العمد فضلا عن دعوته إلى أن تتضمن القائمة مسيري الاحزاب والجمعيات التي تتلقى تمويلا عموميا.

واعتبر شوقي الطبيب أن مسألة دخول القانون حيز النفاذ في أجل 6 أشهر من تاريخ نشر الأمر الحكومي المتعلق بضبط أنموذج التصريح بالمكاسب والمصالح “أمرا غير مقبول وطويل نسبيا” .

كما نبه إلى أن مشروع القانون موضوع جلسة الاستماع هو ثالث قانون يتعلق بمكافحة الفساد لا يتم عرضه على مجلس الهيئة من أجل استشارتها وفق ما يقتضي ذلك القانون مشيرا إلى أن مجرد تشريك الهيئة في بعض لجان المجلس أو في بعض المجالس الوزارية المضيقة لا يعد استشارة مشيرا الى ان احالة الحكومة لمشروع القانون على أنظار مجلس نواب الشعب وتقدمها بطلب استعجال نظر في شأنه يعد نقطة ايجابية لاسيما وأنه يراوح مكانه منذ 2012.

من جانبه أفاد رئيس لجنة التشريع العام الطيب المدني أن اللجنة اختارت الاستماع إلى عدد من الهيئات والهياكل ذات الصلة بمشروع القانون قبل مناقشته فصلا فصلا، مؤكدا أن أعضاء اللجنة اتفقوا على أن يكون مشروع القانون جاهزا موفى الأسبوع المقبل حتى يصبح آلية جديدة من آليات مكافحة الفساد في القطاع العام.

و من جهته، أكد الوزير المكلف لدى رئيس الحكومة بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب، إياد الدهماني، أن أبرز ما ينص عليه مشروع القانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بالقطاع العام، هو إلزام آلاف من كبار الموظفين والاطارات العليا بالادارة التونسية بالتصريح بمكاسبهم.

وأضاف الدهماني أن مشروع هذا القانون يتضمن أيضا تعريفا لجريمة لم ترد سابقا بالقانون التونسي، وهي الإثراء غير المشروع، مشيرا الى أنه ينص في بعض فصوله على عقوبات بشأن التصريح المغلوط بالمكاسب وتبييض الأموال بخصوص الثراء غير المشروع، تصل بعضها حد السجن خمس سنوات لمرتكبي هذه الجرائم.

وأبرز الوزير وجود إرادة مشتركة من كل مؤسسات الدولة لتمرير هذا المشروع وعملها على ضمان الشفافية والحياد في المرافق العامة وإرساء قواعد للحوكمة الرشيدة.

يذكر ان الحكومة عرضت مشروع القانون على مجلس نواب الشعب يوم 25 أكتوبر 2017.

وكان 13 نائبا من كتلة حركة النهضة تقدموا يوم 15 مارس 2017، بمقترح قانون يتعلق بالتصريح على المكاسب ويتضمن 24 فصلا وتعهدت به لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح وعقدت في شأنه 3 اجتماعات لمناقشة مضمونه.

كما تقدم 12 نائبا من المعارضة، أغلبهم من التيار الديمقراطي، خلال شهر سبتمبر 2015 بمقترح قانون متعلق بالشفافية ومكافحة الإثراء.

ويمثل مشروع قانون مكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح أحد أهم العناصر في مكافحة الفساد الإداري والمالي.

تفاصيل مشروع القانون:

و ينص مشروع هذا القانون على أنه “يعاقب مرتكب جريمة الإثراء غير المشروع في تونس بالسجن لمدة خمس سنوات وبخطية تساوي قيمة المكاسب غير المشروعة”.

هذا ويشمل هذا الإجراء الأشخاص الذين يشملهم قانون التصريح بالمكاسب الجديد، الذي تمت إحالته على مجلس نواب الشعب لمناقشته ومن ثمة المصادقة عليه، والذين حققوا فوائد مباشرة أو غير مباشرة لفائدتهم أو لفائدة غيرهم وبطريقة غير قانونية من خلال استغلال وظيفتهم.

كما يمنح القانون الصلاحية للمحكمة لتقضي “بمصادرة جميع المكاسب المنقولة أو العقارية والأرصدة المالية أو بعضها للمحكوم عليه المتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جريمة الإثراء غير المشروع ولو انتقلت إلى ذمة مالية أخرى، سواء بقيت تلك الأموال على حالها أو تم تحويلها إلى مكاسب أخرى”.

ويحرم الشخص المتورط في قضية كسب غير مشروع والذي صدر في حقه حكم قضائي من مباشرة الوظائف العامة ومن حق الانتخاب والترشح لمدة 5 سنوات.

وتتولى هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد القيام بمهام التقصي والتحقق حول شبهات الإثراء غير المشروع التي تعترضها عند مراقبتها للتصاريح بالمكاسب وبالمصالح التي يقوم بها الأشخاص المشمولون بالقانون.

و وفق مشروع القانون الجديد ، فإن النيابة العمومية هي التي تتعهد بالتحقيق في شبهة الإثراء غير المشروع استنادا إلى إحالة من الهيئة أو بإحدى وسائل إثارة الدعوى العمومية طبقا للقانون التونسي.

و يعطي القانون الجديد الجهة القضائية المتعهدة بالنظر في جريمة الإثراء غير المشروع إمكانية الإذن باتخاذ كل الإجراءات الضرورية للحفاظ على المكاسب موضوع الشبهة من التفويت فيها أو فقدان قيمتها.

كما انه بإمكان القضاء أن يأذن ببيع الممتلكات المنقولة التي يخشى تلفها أو فقدان قيمتها الحقيقية وتأمين مبلغها بالخزينة العامة للبلاد التونسية على ذمة القضية قبل صدور الحكم فيها.

ويعفى من عقوبات جريمة الإثراء غير المشروع، باستثناء عقوبة مصادرة المكاسب غير المشروعة، الأشخاص الذين يبلغون الهيئة أو القضاء بمعطيات هامة تساعدها في كشف جريمة الإثراء غير المشروع. ويعاقب بنصف العقوبة السجنية التي أقرها القانون إذا تم الإبلاغ أثناء التحقيق.

فضلا عن ذلك ، ينص مشروع القانون على أن عدم التصريح بالمكاسب والمصالح طبقا للشروط والآجال المضبوطة يستوجب اقتطاع ثلثي المرتب أو المنحة عن كل شهر تأخير.

ويمثل التصريح بالمكاسب والمصالح شرطا للمباشرة بالمهام الوظيفية بالنسبة للأشخاص المعنيين به، بحسب القانون الجديد.

ويعاقب بغرامة مالية تقدر بـ300 دينار عن كل شهر تأخير كل من يرفض التصريح بمكاسبه ومصالحه إثر انتهاء مهامه. وفي صورة تواصل التأخير لمدة 6 أشهر يكون العقاب بالسجن لمدة سنة وبخطية قدرها 20 ألف دينار ، إذ يعتبر امتناعه مؤشرا على وجود شبهة إثراء غير مشروع.

و تتمثل عقوبة كل شخص يتعمد تقديم تصريح مغلوط، بإخفاء حقيقة مكاسبه أو مكاسب قرينه أو أبنائه القصر أو مصالحه، في دفع غرامة مالية تساوي عشرة أضعاف المكاسب التي تم إخفاؤها.

ويعتبر إخفاء معطيات حقيقية تتعلق بالمكاسب دليلا أو مؤشرا على توفر شبهة إثراء غير مشروع مما يمنح الهيئة صلاحية بدء التقصي.

وبموجب هذا القانون الجديد، الذي نشرت وكالة الأنباء التونسية نسخة منه، تم توسيع قائمة الأطراف المشمولة بإجراء التصريح بالمكاسب، لتشمل 32 قطاعا مهنيا.

وتضم قائمة من عليهم التصريح بأملاكهم أعضاء الحكومة والبرلمان ومجلس إدارة البنك المركزي والمسؤولين الكبار في البنوك والمؤسسات المالية التي تساهم الدولة في رأس مالها.

وتتضمن القائمة رجال الأمن وموظفي المراقبة الضريبية والاستخلاص وموظفي الديوانة وكتبة المحاكم والموظفين المحلفين والمكلفين بمهام التفقد والرقابة.

وتتوسع القائمة لتشمل رؤساء الهيئات الدستورية وأعضاءها ورؤساء الجماعات المحلية وأعضاء مجالسها ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وأعضاءه، علاوة على رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها والقضاة.

وتضم القائمة التي وردت في مشروع القانون أيضا البعض من موظفي القطاع العام والمستشارين المقررين لنزاعات الدولة والمديرين العامين المساعدين والمديرين المركزيين بالمؤسسات العمومية وأعضاء لجان تقييم وإسناد ومراقبة عقود الصفقات العمومية وعقود التأجير وعقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. كما تشمل القائمة البعض من المسؤولين في المجال الرياضي.

ويعرّف مشروع القانون تضارب المصالح بأنه “الوضعية التي يكون فيها للشخص الخاضع لأحكام هذا القانون مصلحة خاصة مباشرة أو غير مباشرة يستخلصها لنفسه أو لمن تربطه به صلة تؤثر أو من شأنها أن تؤثر على أدائه الموضوعي والنزيه والمحايد لواجباته المهنية”.

أما بخصوص مفهوم الإثراء غير المشروع، فعرّفه مشروع القانون بأنه “كل زيادة هامة في الذمة المالية للشخص الخاضع لهذا القانون، يحصل عليها لفائدة نفسه أو لفائدة من تربطه به صلة، تكون غير متناسبة مع موارده ويعجز عن إثبات مشروعية مصدرها بصورة معقولة”.

سوسن العويني