الغنوشي : “ الإقصاء لا جدوى منه”

كشف رئيس حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي المتحالف حزبه مع حركة نداء في حكم تونس أنه لا يرفض عودة رموز من نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الى الحكم، مؤكدا أنّ الإقصاء لا جدوى منه، بل هو تغذية للأحقاد وثقافة الانتقام. وقال في رد عبر البريد الإلكتروني على أسئلة لصحيفة القبس: «نحن نتطلّع إلى المستقبل وإلى المصالحة الوطنية الشاملة».

واعترف الغنوشي بتذمّر شعبي من ضعف الأداء الاقتصادي في بلاده، ودعا إلى التضحية المؤقتة وتقاسم الأعباء. كما لم ينفِ خشيته من غضب شعبي لتأخُّر تحقيق مطالب التونسيين، وطالب الحكومة بمعالجة غضب الشعب بالحوار. وعلى صعيد آخر، حذّر زعيم حركة النهضة من أن غياب الدولة في ليبيا يوفّر مناخا مناسبا لمجموعات الإرهاب لتدرب وتخطط لاستهداف تونس.
وفي معرض حديثه عن الكويت يعتقد الغنوشي أن تونس والكويت تنهلان من المدرسة الدبلوماسية التي تحقّق المصالح والوحدة. وأضاف: إن التشابه بين تونس والكويت كبير على الصعيد السياسي.

● باعتباركم شريكاً في حكم تونس، هل سعيتم الى تمتين علاقتكم مع الكويت حكومة وشعبا؟

– مرّت خلال العام الحالي 55 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وكانت الكويت من أولى الدول التي ساهمت في مشاريع التنمية في تونس، من خلال الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية منذ ستينات القرن الماضي وتواصلت إلى الآن، وبلغ عدد المشاريع التي موّلها الصندوق في تونس أكثر من 30 مشروعاً.
والجدير بالذكر أن العلاقة بين تونس والكويت قديمة، فمنذ عشرينات القرن الماضي زارها «أبو الحركة الوطنية التونسية» المصلح التونسي الكبير عبدالعزيز الثعالبي، وهو من رموز الإصلاح التي تنتسب إليها حركة النهضة، حيث وجد في أرض الكويت فضاء حرّا لنشاطه الوطني والفكري.
وأشير أيضا إلى أنّه ليس من الصدفة أن يتشابه الموقفان الرسميان التونسي والكويتي من الأزمة الخليجية الأخيرة، وهما ينهلان من المدرسة الدبلوماسية التي تحقق المصالح والوحدة. وقد عبّرت حركة النهضة عن التزامها بالموقف نفسه وثمّنت جهود سموّ أمير دولة الكويت الشقيقة في المصالحة بين الأشقاء.

● خلال السنوات الأخيرة، هل وجدتم دعماً من الكويت على إنجازكم المتمثّل في تحقيق وحدة وطنية، قادت تونس الى بر الأمان والاستقرار؟
– تجاوز الدعم الكويتي لمنظومة التوافق والوحدة الوطنية في تونس حدود التعبير الرسمي عن الموقف. فقد شهد مؤتمر تونس للاستثمار الدولي «تونس 2020»، الذي التأم في شهر نوفمبر 2016 إعلان الكويت تقديم قروض ميسرة لتونس بمبلغ 500 مليون دولار لمدة خمس سنوات. وذلك دليل على ثقة الإخوة في الكويت، بمناخ الوحدة الوطنية ومسار التوافق الذي تسير فيه تونس وحكومتها.
وما يجمع بين تونس والكويت ليس فقط أواصر الأخوة العربية والإسلامية، ولكن إيمانهما المشترك بالديموقراطية وبأهمية توفير الحريات لمواطنيهما بما يجعل التشابه بين تونس والشقيقة الكويت كبيراً على الصعيد السياسي.

مسار التجربة الديموقراطية

● هل أنتم راضون عن مسار التجربة الديموقراطية في تونس؟

– لم يعد الحكم على التجربة التونسية من زاوية المراقب التونسي فقط، لأنّ التجربة التونسية أصبحت محل دراسة وإعجاب من قبل المتابعين والمتخصّصين في الانتقال الديموقراطي والحكم التوافقي.
نحن تقدّمنا كثيرا في مجال التأسيس لدولة ديموقراطية وترسيخ ثقافة التداول السلمي على السلطة، وتونس اليوم هي مختبر فريد للحكم القائم على توزيع السلطات وتحرير مؤسسات القضاء وإدارة الانتخابات والحوكمة الرشيدة وحرية الصحافة، وكل ذلك في إطار احترام القانون وفي ظل الدستور، إضافة إلى يقظة وتعبئة كبيرتين من المنظمات المدنية.
نحن راضون على نجاح النخبة التونسية في إدارة الاختلاف وتجنّب سيناريوهات العنف والحرب الأهلية والانقسام التي هوت إليها تجارب التغيير في عدد من الدول العربية.
ونحن كحركة النهضة قدّمنا نموذجا في التنازل السلمي عن السلطة.

● هل تطوّر فعلا فكر حركة النهضة في السنوات الأخيرة؛ ليتخلّى تماما عن هويته كحزب إسلامي، ويستبدل بها حزباً مدنياً صرفاً؟

– نحن نعتبر «النهضة» حزباً مدنيا يستمد مرجعيته من مبادئ ديننا الإسلامي السمحة. نقدّم أنفسنا على أننا مسلمون ديموقراطيون. وقد مثّل المؤتمر العاشر للحزب المنعقد في مايو 2016 حدثا مهما في مسار تطور حركة النهضة، كان عنوانه الأبرز «التخصص»، ومن أبوابه الفصل بين الدعويّ والسياسيّ. لقد خلص التقييم إلى أنّ مرحلة الصراع الإيديولوجي على الهوية أضحت من الماضي وأنّ الرهان الحزبي الأكبر هو إدارة البلاد نحو مستقبل أفضل، وتقديم حلول واقعية لمشاكل الناس التي ثاروا من أجلها.
لقد تميّزت حركة النهضة منذ تأسيسها بحيوية نقدية، مكّنتها من تجاوز صعوبات التغيّرات الوطنية والإقليمية والدولية، وأهّلتها لاستيعاب التحوّلات والإجابة عن الأسئلة الراهنة. وذلك ما جعل «النهضة» تحافظ على شعبيتها وجاذبيتها، رغم الضربات القاسية المتلاحقة التي لحقتها طيلة عقود من حكم الاستبداد.

التحالفات بين الأحزاب

● هل تغيّر مشروع رؤيتكم لتونس ما بعد الثورة بعد وصول حزب نداء تونس الى الحكم؟

– نحن نلتقي مع «نداء»، ومع غيره من الأحزاب التي تعمل من أجل البحث عن حلول حقيقية لمشاكل التونسيين الذين يتطلعون إلى تحسين ظروف عيشهم والحفاظ على المكتسبات التي حققوها منذ عقود. نحن نتنافس على برامج تخدم المصلحة العامة، وحسمنا القضايا الثقافية والفكرية الخلافية في بنود دستور الجمهورية الثانية المصادق عليه في جانفي 2014، ومنها قضايا الهوية والدين والحريات التي كانت بواعث تفرقة وتنازع ألهت النخبة الفكرية والسياسية التونسية عن المشاكل الحقيقية للبلاد.

● هل تجدون جدوى في بقاء التحالفات بين الأحزاب في حكم البلاد؟

– نعم، نعتقد أنّ تونس لا يمكن أن يحكمها حزب واحد. لقد ولّى زمن الزعيم الملهم والحكم الفردي، وأسّسنا لمبدأ توزيع السلطات في المركز، وفي الهوامش. لقد تعلّمنا من تجربتنا السياسية أن الوطن يجب أن يكون للجميع، وأن محاولة إقصاء أي طرف مجتمعي أو سياسي تؤدي إلى الانقسام وإلى تمزّق المجتمع وانهيار الاستقرار، خاصة في المراحل الانتقالية؛ لذلك تمسّكنا بالحكم الائتلافي منذ 2012.

● هل تنفون إشاعات تفرّد حزب النداء بحكم في مقابل تحجيم دوركم؟

– نحن شركاء مع «نداء تونس» في حكومة الوحدة الوطنية التي تضم أحزابا أخرى، وأهم المنظمات الاجتماعية. وتحتلّ كتلتنا البرلمانية، اليوم، المرتبة الأولى، بما لهذه السلطة التشريعية من وزن في إقرار السياسات وإصدار القوانين والرقابة على أداء الحكومة.

● هل تعتقدون أن نموذج قيادة البلاد الحالي هو الأصلح لتحقيق تطلعات الشعب؟

– نموذج الحكم الذي تم إقراره بعد نقاشات مطوّلة في المجلس الوطني التأسيسي طيلة 3 سنوات، لا يزال في مرحلة اختبار جدواه.

رموز النظام السابق

● لماذا لم ترفضوا عودة رموز من النظام القديم إلى الحكم؟

– بيّنت التجربة التاريخية أنّه لا مجال لتقدم بلد من دون مشاركة جميع أبنائه، وأنّ الإقصاء لا جدوى منه، بل هو تغذية للأحقاد وثقافة الانتقام. كلّ التونسيين معنيّون بإدارة حكم بلادهم، إلاّ من ثبت عليه قضائيا ما يوجب المحاسبة والمعاقبة بسبب جرائم في حق التونسيين.
نحن نتطلّع إلى المستقبل وإلى المصالحة الوطنية الشاملة وجمع العائلة التونسية الواسعة على قاعدة الدستور الجديد والنظام السياسي الذي جاءت به الثورة، وليس من مصلحتنا أن نثقل خطانا بملفات الماضي، وفي ذلك معان دينية وإنسانية عظمى.

• هل انتهى شبح الإرهاب من تونس، وإذا انتهى فلماذا بقيت البلاد في حالة طوارئ؟

– الإرهاب ظاهرة عابرة للحدود، وقد وفّقنا في توجيه ضربات قاصمة للشبكات الإرهابية في تونس، لكنّ الوضع الإقليمي والدولي يدعونا إلى مواصلة اليقظة إزاء التهديدات المحتملة. وحالة الطوارئ هي منظومة وقائية ناجعة في بعض الحالات للتدخّل الأمني والعسكري، وقد تم إقرارها خلال أحداث الثورة في جانفي 2011، قبل بروز الهجمات الإرهابية، كما أنه لا أثر لها سلبياً في الحياة اليومية للمواطن التونسي.

أجرى الحوار عماد المرزوقي