الإسلام السياسي بعد الربيع العربي

لعل من أبرز القضايا التي باتت تشغل الرأي العام الدولي، يحظى ‘الإسلام السياسي” و تغيراته ما بعد الربيع العربي بنصيب الأسد من الإهتمام على صعيد شاسع، لمدى حساسية هذا الشأن و اختلاف تجربته من قطر لآخر بين النجاح والفشل..

في خضم هذا الشأن، نشرت مجلت فورين بوليسي مقالا مطولا ، نقله “الشاهد” إلى اللغة العربية، تطرقت فيه إلى تغيرات الإسلام السياسي بالمنطقة العربية، متخذة ” حركة النهضة” نموذجا لحزب استطاع التأقلم مع المتغيرات الجيوسياسية في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة..

وفيما يلي نص المقال:

“مصطلح “الإسلاموية” ومرادفها، “الإسلام السياسي”، انتشر على نطاق واسع بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وسرعان ما أصبح تركيبات دائمة معتمدة للخطاب السياسي المعاصر.

وقد تمت صياغتهما لوصف ظاهرة جديدة يزعم أنها: حركات سياسية يرأسها علماء مسلمون متعلمون دعوا إلى “إعادة إضفاء الصبغة الإسلامية” على البلدان ذات الأغلبية المسلمة (والمجتمعات الإسلامية في أماكن أخرى)، التي كانت في نظرهم، إسلامية بما فيه الكفاية.

وعززت هذه الحركات وجودها من خلال الاعتماد على طرق حديثة للتعبئة الشعبية ، على غرار إنشاء فروع خاصة بالشباب والنساء والعمال..

فضلا عن ذلك، اعتمدت هذه الحركات هيكلا تنظيميا مختلطا، وتنوعا بين الأخوة الصوفية التقليدية؛ إذ يمر الأعضاء بمراحل مختلفة للبدء..
و اتخذت حزبا سياسيا حديثا ، يعين فيه المجلس الاستشاري -أو ما يعرف ب”مجلس الشورى”- قائدا يشرف على اللجان الفنية المخصصة لمجالات سياسية معينة.

وقد عمل الإسلاميون على مسارين: تعزيز حركة اجتماعية من شأنها أن تقيم شراكة مع المنظمات والجمعيات الخيرية من جهة، وإنشاء حركة سياسية لها الحق في الترشح في الانتخابات والعمل على الوصول الى السلطة والمشاركة في بناء أعمدة الدولة كغيرها من الأحزاب السياسية..

و بالعودة تاريخيا، تعتبر جماعة الإخوان المسلمين المجموعة الإسلامية الأولى والأكثر شهرة ، تأسست في مصر عام 1928، ثم أنشأت في وقت لاحق فروعا لها في جميع أنحاء العالم العربي.

ومع مرور الوقت، نشأت منظمات مماثلة في أماكن أخرى من العالم الإسلامي السني.

ولكن رجال الدين والمتشددين الإيرانيين الشيعيين الذين شاركوا في الإطاحة بشاه إيران في عام 1979 ساعدوا على تحديد الإسلام السياسي في المخيلة العامة .. وساعد صعودهم على الترويج لمصطلح “إسلامي” في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية والحكومة.

واليوم، للأسف، يطبق الصحفيون والعلماء والسياسيون هذه العبارة بشكل حر، ويربطونها بمجموعة واسعة من الشخصيات والمجموعات، من راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الديمقراطي في تونس، إلى أبو بكر البغدادي، الذي نصّب نفسه الخليفة على ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وهذا المصطلح أقرب إلى استخدام مصطلح “اشتراكي” لوصف كل من السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون..

و في هذا الإطار، قام كل من شادي حامد وويليام ماكانتس، وهما خبيران أميركيان بارزان في الإسلام السياسي، بتجميع ترسانة من المقالات حول كيفية شحذ النقاش حول الإسلام السياسي من خلال تحديد ما يسمونه “الإسلاميون التقليديون”.

يستخدم حامد وماكانتس هذا المصطلح للإشارة إلى الأحزاب الإسلامية “التي تعمل ضمن حدود السياسات المؤسسية، وهي مستعدة للعمل داخل هياكل الدولة القائمة، حتى تلك التي تبدو ظاهريا علمانية”.

وتشمل المجموعات التي تناسب هذا الوصف جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ، وحزب الإصلاح في اليمن، وحزب العدالة المزدهر في إندونيسيا، والعديد من الجماعات الأخرى.

ويترك تعريف حامد وماكانتس جانبا عددا من الحركات على غرار جماعة التبليغ التي تتخذ من جنوب آسيا مقرا لها، والتي تسعى إلى إعادة أسلمة المجتمع عن طريق التبشير بدلا من السياسة.

كما أنه يستثني الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة، التي تدافع عن الجهاد العنيف وتمارسه.

ولكن التركيز على الإسلاميين التقليديين له ما يبرره، لأنه على الرغم من أن الجماعات الإرهابية هي من تساهم في كتابة عناوين الصحف، فإن الجماعات الأكثر اعتدالا تتمتع بدعم أعمق وأوسع في العالم الإسلامي، وبالتالي تشكل تحديا أعمق على المدى الطويل للدول العلمانية بجميع أنواعها.

إنها حركات اجتماعية حقيقية ذات أهداف ملموسة وقصيرة الأجل: فإذا كانت تؤيد فكرة الخلافة العالمية، فإنها تعتبرها حلما بعيد المنال.

كما تسعى في الوقت الحاضر، إلى استيعاب المؤسسات القائمة وبناء الدعم عن طريق إنشاء جمعيات خيرية تسدّ الفجوة التي خلّفها سوء الإدارة في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي.

وهي لا تطعن في شرعية الحكومات العلمانية، بل تحاول بدلا من ذلك التأثير عليها؛ كما أنها تدخل في الساحة الانتخابية ، وهي منفتحة للانضمام إلى الائتلافات السياسية..

كما ترفض هذه الحركات ممارسة التكفير ولا تُرَوِّجُ للتمرد المسلح – إلا ضد إسرائيل..
وعلى الرغم من أنها تتعم القوى الغربية بالاستعمار الجديد و “العدوان الثقافي”، فإنها دائما تبقي الباب مفتوحا أمام الاتصالات والتفاوض.

(وتجدر الإشارة إلى أن منتقدي ومعارضي هذه الجماعات قد اتهموها منذ فترة طويلة، وعادة دون أدلة كثيرة، بوجود أجندات خفية وممارسة لغة مزدوجة لإخفاء نوايا ومعتقدات أكثر راديكالية).

هذه صورة مألوفة إلى حد ما.. ولكن في السنوات الأخيرة، وُضِعت في إطار غير مألوف، بسبب ما يُطلق عليه حامد وماكانتس تسمية “الصدمات التوأم”: الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، الذي أطاح بحكومة منتخبة بشكل حر بقيادة إسلامية بعد أن أمضت بالكاد عاما واحدا في السلطة وظهور ما يُعرف بدولة داعش عام 2014 في أعقاب الهجوم الوحشي للجماعة الذي اجتاح العراق وسوريا..

وكانت هناك، بطبيعة الحال، صدمة سابقة أيضا: ما يسمى بالربيع العربي لعام 2010-2011، الذي جعل الإسلاميين الرئيسيين أو التقليديين أكثر نفوذا وسلطة مما كانوا يتمتعون به من قبل.

ولكن بعيدا عن توضيح طبيعة ومسار الإسلاموية، يبدو أن هذه الصدمات تزيد من تعقيد الوضع.

وكما كتب حامد وماكانتس: “بعد عقود من التكهنات حول ما سيفعله الإسلاميون عندما جاؤوا إلى السلطة، كان لدى المحللين والأكاديميين والإسلاميين أنفسهم أخيرا إجابة، وهذا أمر محيّر.”

ولإلقاء الضوء على الموضوع، قام المساهمون في إعادة التفكير في الإسلام السياسي بحكمة من خلال حجب المناقشات النظرية حول الأيديولوجية الإسلامية ودراسة ممارسات وسياسات الأحزاب الإسلامية في السنوات الأخيرة.

ويخصص الكتاب فصولا للتطورات في تسعة بلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا؛ حيث تشغلُ تجاربهم كامل السلسلة. فبعد ثورات 2010 – 2011، فاز الإسلاميون بالانتخابات في مصر والمغرب وتونس، بينما في ليبيا وسوريا واليمن، شاركوا على الفور في غمرة الفوضوى والحروب الأهلية.

وفي المقابل، لم تحدث أي انتفاضات في الأردن أو الكويت، ولكن الأحزاب الإسلامية في كلي البلدين – التي لها تقليد طويل في المشاركة في الانتخابات والعمل داخل المؤسسات القائمة –كانت تحفزها مع ذلك الاضطرابات في أماكن أخرى.

وينطبق الشيء نفسه على الأحزاب الإسلامية في باكستان وجنوب شرق آسيا.

وعلى الرغم من هذا التنوع، فإن تحليلات الإسلام السياسي في هذه الأماكن تميل إلى تصنيفها في فئتين.

ويمكن أن يطلق على المدرسة الفكرية الأولى “الرؤية السياقية”، التي ترى أن سياسات وممارسات الحركات الإسلامية تقودها الايديولوجيات بدرجة أقل من الأحداث، وترى أن مثل هذه الجماعات متفاعلة ومتكيفة مع التغيرات.

فعلى سبيل المثال، أدى القمع القاسي الذي واجهته جماعة الإخوان المسلمين المصرية في الستينيات إلى اتباع نهج أكثر حذرا من قيادة الحركة، إلى جانب التطرف على هامشها.

في المقابل، أدت الفرص السياسية التي أتاحتها ثورات 2010-2011 إلى دخول الجماعة في اللعبة الانتخابية، كما أشار عالم السياسة ستيفن بروك في مساهمته في إعادة التفكير في الإسلام السياسي.

ويعتقد السياقيون (أنصار الرؤية السياقية) أن الجماعات الإسلامية تسعى إلى التكيف مع الظروف والمعايير الخاصة بكل بلد (على سبيل المثال، من خلال الاعتراف بالحكم الملكي في الأردن والمغرب).

والهدف الرئيسي للمجموعات هو استمرار البقاء كمنظمات متماسكة ذات وجهات سياسية فاعلة.

وكثيرا ما يكون استخدامهم للخطاب الديني أكثر من مجرد “خطاب المسلم” (على حد تعبير العالم السياسي الفرنسي فرانسوا بورغات) – وهو وسيلة للتعبير عن هوية فريدة من نوعها والتعبير عن المظالم، وخاصة ضد الغرب.

ويمكن أن تسمى المدرسة الفكرية الثانية “الرؤية الأساسية”، وهي ترى أن الإسلاميين أيديولوجيون بالأساس وأن أي تنازلات يقدمونها لصالح المبادئ أو المؤسسات العلمانية إنما هي تنازلات تكتيكية بحتة: فمشاركتهم في السياسة الانتخابية بالكاد تمنعهم من الدعوة إلى الجهاد العنيف، كذلك.

ووفقا لهذا الرأي، فإن المفهوم الإسلامي الحقيقي للديمقراطية هو “رجل واحد، صوت واحد، مرة واحدة”. وبعبارة أخرى، يرى الإسلاميون أن صناديق الاقتراع ليست سوى أكثر من مجرد طريق إلى السلطة؛ وبمجرد ظفرهم بها، سيستبدلون الديمقراطية بالثيوقراطية.

والنتيجة الطبيعية لهذه الحجة هي الفكرة التي أشاد بها منتقدو الإسلاموية، ولكن أيضا بعض أتباعها، والتي تقول بأن المذهب الإسلامي لا يعترف بالفصل بين الدين والسياسة، وبالتالي لا يمكن للإسلامي الأصيلي التخلي عن أجندته الأيديولوجية لصالح مقاربة أكثر واقعية أو ديمقراطية.

ولكن في السنوات الأخيرة، كثيرا ما قام الإسلاميون التقليديون بذلك تماما.

فعلوا ذلك وانتصروا، كما هو الحال في تونس، و اخرون هزموا كما هو الحال في مصر.

وفي كلتي الحالتين، تتغلب القيود السياسية على الالتزامات الأيديولوجية.

وقد أدرك الإسلاميون المصريون والتونسيون أن ناخبيهم كانوا يهتمون بدور الإسلام في الدستور بقدر أقل من الوظائف والغذاء والإسكان.
في مصر، تعلموا هذا الدرس بالطريقة الصعبة. ففي البداية، بدا أن الحكومة التي يرأسها محمد مرسي، الذي كان سابقا زعيما بارزا في جماعة الإخوان المسلمين، راغبة في العمل ضمن حدود المؤسسات القائمة، والواقع أن هذا الاستعداد هو جزء مما انتخبه الإسلاميون.

ولكن عندما زاد مرسي سلطته الخاصة وفشل في تحقيق النمو الاقتصادي والأمن، انخفض الدعم الشعبي لحكومته، ورحب معظم المصريين بعودة الحكم العسكري بعد تولي عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، السلطة في انقلاب في عام 2013.

أما في تونس، كان الإسلاميون التقليديون في حزب النهضة يتكيفون بشكل أكثر حذقا ومهارة، كما تقول الباحثة مونيكا ماركس في مساهمتها في الكتاب، حيث قاموا بحلِّ ائتلافهم الحاكم في عام 2013 في أعقاب الغضب الشعبي على الإخفاقات الأمنية وعدم الاستقرار الاقتصادي، خطوة منعت المواجهة مع العلمانيين الذين ربما هددوا بقاء الحزب على المدى الطويل.

وفي العديد من الأماكن، أدركت الأحزاب الإسلامية أيضا أنها لا تتمتع باحتكار السياسة الدينية: ففي مصر في عام 2012، شكّل السلفيون الذين كانوا حتى الآن الأكثر هدوءا حزبهم الخاص وحصلوا على شريحة من الناخبين المتدينين. وفي الوقت نفسه، لم تؤيد المؤسسات الدينية، مثل جامعة الأزهر في القاهرة، الإسلاميين.

وحتى الأحزاب العلمانية، مثل نداء تونس، كثيرا ما روّجت لبعض القواعد الإسلامية لتعزيز صحّتها الثقافية.

وفي جنوب شرق آسيا، كما يبين عالم السياسة جوزيف تشينيونغ ليو في فصله، فإن جميع الأحزاب والشخصيات السياسية تقريبا قد أدرجت إعادة الأسلمة في برنامجها، مما يقوض العلامة التجارية الإسلامية.

ولم تقدم الثورات العربية في الفترة 2010-2011 حكما واضحا في النقاش الدائر بين المعسكرين السياقي والأساسي.

ولكن كما يوضح إعادة التفكير في الإسلام السياسي، فإن رجحان الأدلة يدعم الجانب السياقي.

وكما كتب حامد وماكنتس، “الديمقراطية تمكّن وتشجّع جميع الأطراف، الإسلامية أو غير ذلك، للحصول على المركز، أينما كان ذلك”.

وتقدم النهضة التونسية الدليل الأكثر إقناعا على هذه الحجة. فبعد فوزه بالأغلبية البرلمانية في عام 2011، قضى الحزب سنوات في مناقشة نص دستور جديد مع نفسه ومع خصومه.

وقد تكون النتيجة الوثيقة التأسيسية الأكثر علمانية في أي دولة عربية، والتي تحمي حتى “حرية الضمير” – أي الحق في اعتناق أو عدم اعتناق أي معتقدات دينية وحرية تغيير الديانات.

وهذا يعتبر حقا أكثر اتساعا من “حرية الدين”، وهو ما يسمح لغير المسلمين بممارسة عقيدتهم ولكن لا يسمح لهم بتحويل المسلمين إليها، ويتجاهلون الملحدين وغيرهم من الناس العلمانيين.

وكما أشار الباحث في العلاقات الدولية بيتر ماندافيل في فصله، فإن التخلي الطوعي لحركة النهضة عن السلطة الحاكمة أظهر أن المخاوف القديمة من مقولة “رجل واحد، صوت واحد، مرة واحدة” لا أساس لها من الصحة في كثير من الأحيان.

وفي الوقت نفسه، في مصر في عام 2013، لم يكن الإسلاميون هم من وضعوا حدا للحكم الديمقراطي ولكن تحالفا غريبا من القادة العسكريين والعلمانيين والسلفيين.

وعلى أية حال، لم يكن لدى مرسي الوسائل اللازمة لمقاومة انقلاب السيسي، كما يتضح من رد الفعل السلمي والذي لا طائل من ورائه على الإطلاق من مؤيدي مرسي، والذي قتل فيه الجيش ما يقرب من 1000 منهم بعد احتلال ساحة عامة في القاهرة.

في نهاية المطاف، يبدو أن المساهمين في إعادة التفكير في الإسلام السياسي مهتمون بتجاوز المناقشات الطويلة والمألوفة حول صِدق الإسلاميين.

ويسعى هؤلاء العلماء إلى فهم ما يعنيه للأحزاب الدينية التحول من جهات فاعلة هامشية تقتصر على المعارضة إلى لاعبين سياسيين حقيقيين.
والسؤال لم يعد، ماذا يقول الإسلام عن السياسة؟ ولكن، كيف يمارس الإسلاميون السياسة؟
وكانت إجابة النهضة على هذا السؤال تغييرا جذريا في هيكلها وهويتها: ففي عام 2016، توقفت الحركة رسميا عن تعريف نفسها كحزب إسلامي. وكتب رئيسها راشد الغنوشي أن “النهضة” لم تعد تقبل تسمية “الإسلاموية”، وهو مفهوم تم تشويهه في السنوات الأخيرة من قبل متطرفين راديكاليين – كوصف للنهج الذي تتبعه”.

وتابع قائلا: “تونس هي أخيرا دولة ديمقراطية وليس ديكتاتورية، وهذا يعني أن النهضة يمكن أن تكون أخيرا حزبا سياسيا يركز على جدول أعمالها العملي ورؤيتها الاقتصادية بدلا من أن تكون حركة اجتماعية تحارب ضد القمع والدكتاتورية.”

ولكن إذا توقف حزب مثل حزب النهضة عن محاولة تشكيل القانون المدني وفقا للشريعة الإسلامية، ماذا سيمثل المعنى الإسلامي في عملها ؟ والجواب الذي لا يزال مثيرا للجدل بالنسبة للعديد من الأعضاء هو أنه على الرغم من أن الحركة والحزب أصبحا الآن منفصلين رسميا، فإن هدف مشاركة الحزب في السياسة هو حماية الحركة من السياسة.

وبأن يصبح حزب النهضة فاعلا سياسيا طبيعيا في نظام سياسي عادي، سيساعد حركة النهضة على إنجاز مهمتها المتمثلة في تعزيز مجتمع يكون فيه الدين، وإن لم يكن مكرّسا في مؤسسات الدولة، فيمكن تكريسه في صلب الحياة اليومية.

هذا النهج مشابه للمفهوم الليبرالي الغربي الذي يقضي بالفصل بين الكنيسة والدولة – على الرغم من أنه أقرب إلى المفهوم الأمريكي الذي يقول بحماية الدين من تدخل الدولة من الفكرة الفرنسية والتي تقول بضرورة حماية الدولة من الدين.

وفي السياق الإسلامي، يجب أن يُطبَّق الفصل ليس فقط من جانب مؤسسات الدولة والدستور، بل أيضا على مستوى القاعدة الشعبية، من جانب الأحزاب الإسلامية نفسها.

وهذا يمثل تغييرا عميقا، لا يقل عن إعادة تعريف الدين للإشارة بشكل أضيق إلى مجموعة من المعتقدات والممارسات القائمة في إطار مجتمع علماني.

وقد اعترف حزب النهضة بأنه على الرغم من أن المجتمع التونسي قد يكون مسلما ثقافيا، فإنه ليس مقصودا أن يصبح إسلاميا أيديولوجيا.

وعلّق الغنوشي على هذه الخطوة بإعلان أن النهضة أصبحت “حزب الإسلاميين الديمقراطيين “، وأَوْرد مقارنات مع الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا.

ولكن المقارنة لا تزال حتى الآن متواصلة. فمنذ منتصف الأربعينيات وحتى منتصف السبعينيات، وجدت الأحزاب الديمقراطية المسيحية طرقا لإضفاء العلمانية على القيم الدينية في المقام الأول من أجل الوصول بشكل أفضل إلى الناخبين العلمانيين.

وفي البلدان البروتستانتية والكاثوليكية في الغالب، عززت هذه الأحزاب القيم المستمدة من العقيدة الاجتماعية للكنيسة بشأن القضايا المتصلة بالأسرة، والتعاون بين العمال والشركات، والضمان الاجتماعي.

ولكن على الرغم من أن هذه الأحزاب لا تزال مستمرة (بل وتزدهر في ألمانيا)، لا توجد حركة اجتماعية ديمقراطية مسيحية تعادل تلك التي تعتبرها النهضة وغيرها من الجماعات الإسلامية ذات أهمية حاسمة لمهامها.

ففي بلدان مثل ألمانيا، الديمقراطيون المسيحيون لديهم حزب ولكن ليس حركة.
وعلى الرغم من أن الحركات الاجتماعية الكاثوليكية تعمل في بلدان أوروبية مثل إيطاليا، فإنها لا تتعرف على الأحزاب السياسية.

وأما في أوروبا، انتصرت العلمانية ليس فقط في المجال السياسي ولكن أيضا في الميدان الاجتماعي: بعد الحرب العالمية الثانية، ابتعدت الدول الغربية عن وجهات النظر المسيحية التقليدية، وخاصة في المسائل المتعلقة بالحياة الجنسية، والجنس، والأسرة.

ومن هذا المنطلق، فإنه من اللافت للنظر أن الغنوشي وغيره من الإسلاميين التقليديين سيشجعون إجراء المقارنات مع الديمقراطيين المسيحيين، الذين لا يبدو أنهم يقدمون نموذجا للنجاح من خلال المعايير الإسلامية.

ويبدو من غير المرجح أن تكون علمانية السياسة الإسلامية مصحوبة بانحراف عن القيم التقليدية في البلدان الإسلامية، على الأقل في المستقبل المنظور (تونس من غير المرجح أن تضفي الشرعية على زواج المثليين في أي وقت قريب) ولكن فصل الدين عن الدولة يشكل خطرا أكثر حدة على المدى القصير على الأحزاب الإسلامية مثل حزب النهضة: إذ يمكن أن يوفر فرصة للمتطرفين الجهاديين الذين غالبا ما يشيرون إلى أنفسهم على أنهم “أجانب في هذا العالم”، هذه العبارة تأتي من أغنية معروفة جيدا، والتي شاعت خلال محاكمات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصرية في الستينيات.

وهي تعبير عن الفكرة القائلة بأن الجهاديين، بنقائهم الأيديولوجي ورفضهم لاستيعاب القواعد والمؤسسات العلمانية، يمثلون الإسلاميين الحقيقيين الوحيدين – وربما المسلمين الحقيقيين الوحيدين.

ويكمن الخطر في أنه إذا ما قام الإسلاميون التقليديون بشراء الاندماج في الدولة العلمانية بثمن فصل أهدافهم السياسية عن أهدافهم الدينية والاجتماعية (كما هو الحال في تونس)، أو يعانون من الاستبعاد من الدولة بسبب تجاوزاتهم ورد فعل قمعي ضدها (كما في مصر)، قد يبحث الشباب المسلمون عن الهويات الدينية والسياسية “الأصيلة” في أماكن أخرى.. وفي الأثناء، سيكون الجهاديون في انتظارهم..”

سوسن العويني