حديث الجمعة: شرعية المثلية في الإسلام من خلال نموذج الفقيه الجليل يحي بن أكثم

التحريم الفقهي الحالي للمثلية من رواسب الإسرائيليات، إذ ثبتت شرعية هذه الفطرة عند بعض البشر في القراءة الصحيحة للدين كما كانت عند السلف الصالح، ومنهم الفقيه الجليل يحي بن أكثم، قاضي القضاة في العهد العباسي.
تجريم المثلية من مخلّفات الاحتلال والإسرائيليات:
خلافا لليهودية والمسيحية، لم يحرّم القرآن ولا السنة الصحيحة الجنس المثلي، إذ هو كما بيّنه العلم اليوم فطرة في بعض البشر، شائعة في الطبيعة. فليست المثلية محرّمة في دين الحنيفية المسلمة، إذ لا حكم في القرآن ولا حديث في أصح الصحاح في تحريم هذا الجنس الطبيعي. فليس في الفرقان إلا القصص تذكّر بالمنع الذي نجده في اليهودية والمسيحية؛ أما السنّة، فالأحاديث بخصوص اللواط منحولة على الرسول الكريم الذي لم يثبت عنه أي شيء في الغرض، وقد قبل مثلا الخنثى ببيته مع نسائه.
لقد كان الإسلام في هذا الموضوع، كغيره من حقوق الإنسان، سبّاقا في عصرٍ لا حقوق فيه؛ فكانت حداثته قبل الغرب في الوقت الذي كان هذا الأخير يخبط فيه خبط عشواء في قرونه الوسطى وهي في ظلمة الداعشية اليوم. لذا نرى الغرب يشجّع أهل التزمت المسلمين بالقول بفاحشة اللوالط لتشويه الإسلام؛ فمن يقول بذلك من المسلمين يعمل ضد الإسلام.
نبيّن هذه الحقيقة التي لا مراء فيها بنموذج من تاريخ الإسلام النيّر، وهو نموذج رفيع للفقيه الجليل، العالي الكعب، قاضي القضاة يحي بن أكثم. وإذ نفعل هذا فذلك لتمسّك السلط المخزي بقانون الاحتلال المجرّم للمثلية رافضة إبطاله بدعوى احترام الدين وهي تشينه؛ فلنعمل للخروج بديننا من اللخبطة القيمية التي تميّزه، فجعلته ظلاميا بعد أن كان تنويريا!
يحي بن أكثم، نموذج الفقيه المثلي :
هو يحي بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي الأسيدي، ولد في 189 هجرية (775 مسيحية) ومات في 245 هجرية (857 مسيحية)؛ قاض رفيع القدر، عالي الشهرة، من نبلاء الفقهاء حسب «الأعلام». تولّى قضاء البصرة في سنة 202 للهجرة ثم قضاء القضاة للمأمون الذي أضاف إليه تدبير مملكته، وهذا يعني أن وزراء الدولة كانوا تحت إمرته. يقول الزركلي فيه: «وكان مع تقدّمه في الفقه وأدب القضاء، حسن العشرة، حلو الحديث، استولى على قلب المأمون حتى أمر بأن لا يحجب عنه ليلا ولا نهارا. وله غزوات وغارات…»
بعد موت المأمون، عزله المعتصم عن القضاء، إلا أن المتوكل أعاده إليه قبل أن يغضب من جديد فيعزله ويأخذ أمواله؛ إلا أنه صفا عليه قبل موته بالربذة من قرى المدينة. قال ابن خلّكان: «وكانت كتب يحي في الفقه أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول… وكان يُتهم بأمور شاعت عنه وتناقلها الناس في أيامه وتداولها الشعراء، فذُكر شيء منها للإمام أمد ابن حنبل، فقال: «سبحان الله! من يقول هذا؟ وأنكر ذلك إنكارا شديدا، وأشار إلى حسد الناس.»
يبيّن الذهبي في سير أعلام النبلاء أنه تولّى قضاء البصرة في العشرين من عمره، «وكان عبثه بالمرد (أي الغلمان) أيام الشبيبة، فلما شاخ أقبل على شأنه، وبقيت الشناعة، وكان أعور»؛ ومما يرويه عنه أنه سئل «عشرة مسائل، فأجاب في خمسة منها أحسن جواب. ودخل غلام مليح، فلما رآه اضطرب، فم يقدر يجيء ولا يذهب في مسألة.» وعنه يتكلم أبو نواس :
أنا الماجن اللوطي ديني واحد*** وإني في كسب المعاصي لراغب
أدين بدين الشيخ يحي بن أكثم*** وإني لمن يهوى الزنى لمجانب
هكذا اختزل أبو نواس هذا الترف الحضاري الذي ميّز سماحة دين عادل لم يحرّم قط هذا النوع من الجنس. فلم يكن التغنّي بالمرد من المثلية ضرورة، بل من هذا الجنس العربي الذي هو تمامي، لا يفرّق بين الذكر والأثنى في تمامية اللذة؛ لذلك كما لاحظه ابن كثير في البداية والنهاية كان أغلب الملوك والأمراء والتجار والعلماء والفقهاء والقضاة، أي أغلبية وجهاء زمانه، إضافة طبعا للأدباء والعامة، لا يتوانون عن ممارسة اللواط. ونحن نرى المقريزي يروي أن شدّة انتشار اللواط كانت تحمل الجواري على التشبه بالغلمان.
لنختم بأبي نواس، وهو الحسن بن هانيء، شاعر العراق في عصره، وهو أفضل من تغنّى بالمذكّر عالميا في عهد الحضارة الإسلامية المترفة المتميّزة بانتشار المثلية كما هي الحال ليوم في الغرب. فهذا المثلي الفذّ لهو أفضل سفير للمثليين في بلاد الإسلام. لنذكّر فقط بقول الجاحظ فيه: «ما رأيت رجلا أعلم باللغة ولا أفصح لهجة من أبي نواس»؛ وقول أبو عبيدة، عالم اللغة المعروف: «كان أبو نواس للمحدَثين كامريء القيس للمتقدّمين»؛ وقول الإمام الشافعي، وما أدراك: «لولا مجون أبي نواس لأخذتُ عنه العلم».