خالد الحداد): “النهضة التي تحتاجُها بلادُنا”

تُنهي حركة النهضة اليوم (أمس الأحد) دورة من أهم دورات مجلس الشورى التي تسبقُ، حسب ما هو منتظر، الندوة الوطنية أعلى سلطة ما بين مؤتمرين وطنيين. وكانت توجّهات حركة النهضة مدار جدل واسع خلال الفترة الفارطة وخاصة في أعقاب تصريح رئيس الجمهورية الَّذِي ثمّن فيه تقدّم النهضة برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي خطوات مهمّة في اتّجاه المدنيّة والوسطيّة، وهو الأمر الذي كانت له ارتدادات واسعة في أوساط عديدة، داخل النهضة، وخارجها ايضا من خصومها الألدّاء الَّذِين يصرّون على انّها ما تزال تُمارس الخطاب المزدوج وَتُعلن عكس ما تُخْفِي. الغريب في داخل النهضة إصرار البعض على التشبّث بالقديم على الرغم من انّه لم يوفّر لحركتهم مكاسب كبيرة وجعلهم في شبه قطيعة مع أوساط مجتمعية وخلّف لهم ذلك المنحى الكثير من المآسي والمحن على مدار أكثر من ثلاثين سنة، والغريب أيضا في هؤلاء عنادهم في رفض ما فتحته سياسات التتونس والاندماج في الحياة الوطنية والمشاركة في تصريف شؤون الدولة من مجالات واسعة للاستزادة ومزيد ترسيخ أقدام حركتهم في المشهد الوطني بصفة عامة. والغريب في خصوم النهضة الأيديولوجيّين ومن اليسار المتطرّف ومعتنقي المناهج الاقصائيّة والاستئصاليّة، على وجه الخصوص، أنّهم باتوا يُكابرون في نُكران متغيّرات فعليّة يعيشها النهضويّون ويغمضون أعينهم عن وقائع على غاية من الدلالة والبيان في تأكيد بداية تحوّل مهمّة لحركة النهضة إلى حزب سياسي مدني يعتريه ما يعتري غيره من الأحزاب والتنظيمات من أزمات ومشاكل وخلافات، ومنها ما جرى مؤخرا من تسجيل أوّل استقالة في الكتلة البرلمانية وحالة الانقسام التي باتت عليها الكتلة عشيّة المصادقة على قانون المصالحة الادراية، وتصاعد الخلافات داخل الصف القيادي. بعيدا عن المناحي الايديولوجيّة العمياء، داخل النهضة وخارجها، وأجندات تصفية الحسابات القديمة والجديدة، من نهضويين وخصوم النهضة، فقد أضحت حركة النهضة واقعا في تونس لا يُمكن تجاهله ناهيك عن التفكير في إقصائها أو استبعادها مثلما يتطلّع الى ذلك البعض من منافسيها، وسيكون من العَدَميّة أن يتواصل خطاب شيطنة النهضة والبحث عن مزالق لتوريطها ودفعها ودفع البلاد الى محرقة جديدة وهدر جديد للزمن ولفرص تطوير البلاد وتنميتها. من المؤكّد أنّ التحوّلات داخل الحركات العقائديّة والإيديولوجيّة، وكذا كان شأن حركة النهضة منذ الجماعة الإسلامية والاتجاه الإسلامي، هي تحوّلات صعبة وعسيرة ومخرجاتها من المراجعات والقراءات النقديّة هي أشبه ما تكون بالولادة العسيرة، وفِي هذا السياق لا يُنكر المتابعون عن كثب للحياة الوطنيّة ما يعتملُ داخل أطر حركة النهضة وهياكلها من حركيّة في سياق “مغالبة شاقة” لا فقط لاكراهات واقع إقليمي ودولي متغيّر بسرعة متناهية بل لحاجة ملحّة في فضائنا العربي والإسلامي إلى رؤى تجديديّة تقطعُ مع حالة الوهن والسبات والجمود التي ضربت العقل السياسي والفكري العربي على مدار عشرات من العقود وانتهت به إلى عطالة عن مواكبة روح العصر وقيمه والانشداد إلى مناهج حكم استبداديّة وتسلطيّة وعقائد بالية غلب عليها الجمود الفقهي والعجز عن الاجتهاد البنّاء والناجع الَّذِي يأخذ أوّلا حاجة الواقع ويستجيب للتطوّرات وما أكثرها في عالمنا اليوم، ناهيك وأنّ النص القرآني، في قيمه ومبادئه الكبرى، صالح لكلّ زمان ومكان يحتاج دائما إلى من ينفض الغبار من معانيه السامية في حماية كرامة البشر وتوفير ظروف العيش الكريم والتعايُش المدني والحضاري ونبذ الكراهية والمساواة وصيانة الحقوق الفردية والجماعية. بلادنا اليوم تحتاج كلّ أبنائها من جميع التيارات على قاعدة المشتركات التي راكمتها تجربة الثورة والانتقال الديمقراطي، والنهضة التي تحتاجُها بلادنا، هي حركة سياسيّة مدنيّة وسطيّة معتدلة تكون اهتماماتها الأوليّة شؤون الوطن وانتظارات المواطنين في التنمية والتشغيل وتحسين ظروف العيش وفي ضمان حرّيتهم وكرامتهم. والمطلوب هو تثمين هذه التحولات والمراجعات في صفوف حركة النهضة والدفع بها الى المزيد من الاندماج في الدولة والمجتمع، لا إبقائها منقطعة عن واقعها منعزلة عنه أو التخطيط للإطاحة بها في سيناريوهات السجون والمنافي.