«الحرب» على الفساد : حضارة «القلبة» وشعب «الغلبة»

حين حلّت علّيسة بتونس، رفض الأمازيغ مدّها بأرض لتبني عليها «قرط حدشتها»، فلجأت للحيلة وادّعت أنها لا تحتاج لأكثر من مساحة جلد ثور، لكنّ الجلد تحوّل إلى مدينة بحجم العالم المعروف حينها. هذا ما تدّعيه الأسطورة المؤسسة لإفريقيّة. وككل الأساطير، تختزل هذه في شفرتها حقيقة عابرة للعصور عصيّة على الزمن، ألا وهي أنّ حضارتنا مبنيّة على التحيّل، بالتونسي «القلبة».

منذ تورّط رئيس الحكومة يوسف الشاهد في إعلان الحرب على الفساد، انطلقت أصوات التشكيك من كلّ النواحي. فلا أحد صدّق أن رئيس الحكومة الشابّ يوسف يملك القدرة على تجسيد قوله، ولا أنّ حجري رحى حكومته المتمثّلان في حركتي النهضة والنداء سيدوران في الاتجاه الذي أراده.

ثمّ إنّ الشاهد، لو صدقت نيّته في محاربة الفساد، لنزّل على أرض الفعل مقرّرات وتوصيات الاستراتيجيّة الوطنية لمكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة التي أعدّتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالشراكة مع المجتمع المدني وبرعاية برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، رغم توقيعها منذ نهاية السنة الماضية من قبل رئاسة الحكومة.

ناهيك عن خوضه حربه بعربات مخلوعة الدواليب، كما هو الحال مع بعض مستشاريه الذين اضطرّ لإبعادهم أو مؤخّرا وزيره للاستثمار والمالية (بالنيابة) فاضل عبد الكافي ممن تعلّقت بهم قضايا فساد، وغفل الشاهد عن التحرّي في ماضيهم، كما كان يجدر برئيس حكومة أن يفعل.

على خطى خزندار

حين فرّ محمود بن عيّاد وزير ماليّة البايات سنة 1852 إلى فرنسا بعد استيلائه على أموال خزانة الإيالة التونسية، قام الوزير الأكبر حينها مصطفى خزندار بتعيين صديقه التاجر اليهودي الثري نسيم شمّامة مكانه، ليقوم بتنظيم المالية العامة. ظنّ خزندار أن ثروة شمامة ضمانة كافية لألا يطمع في ما تبقّى من مال عامّ. إلاّ أنّ شمّامة استغلّ ضعف الدولة وانفلات الأمور ليكرّر فعلة سلفه، ويفرّ بثروة طائلة اختلسها إلى إيطاليا.

هذا الدرس التاريخي لم يستفد منه يوسف الشاهد وهو يعيّن صديقه فاضل عبد الكافي على رأس أشدّ الوزارات حساسية، مطمئنّا إلى ثروة وزيره الطائلة. ولم يكلّف نفسه عناء التقصي حول سوابق الرجل وذمّته المالية والقضائيّة. فكانت الفضيحة المدوّية التي قصمت ظهر البعير التونسي.

هذه الملهاة السوداء تختزل بطريقة أيقونيّة واقع حال تونس. فبغضّ النظر عن جدّية القضايا المرفوعة ضدّ عبد الكافي، ومآلها القضائي، فإنّ الصورة التي قدّمها الشاهد عن نفسه وفريقه للرأي العام المحلّي والدولي، هي صورة الهواة الذين يتعاملون مع الدولة كما لو كانت لعبة «نينتندو».

ولعلّ تقرير «بوّابة مكافحة الفساد في مجال الأعمال» التابعة للمفوّضيّة الأوروبية، حول الفساد كعائق أساسي للاستثمار والذي نشر مؤخّرا (انظر المقال الخاصّ بالتقرير) يعكس تلك الصورة القاتمة التي ألقت بظلالها على تونس الثورة والانتقال الديمقراطي التي أشعّت على العالم.

لقد سلّط التقرير المشار إليه الضوء على جملة من نقاط الضعف ومواطن الخلل، من غياب استقلالية القضاء وحتّى الفساد القضائي، إلى ضعف الإرادة التنفيذيّة في محاربة الفساد وردع المفسدين… لكنّ العوائق التي تشلّ مسار الحوكمة الرشيدة أوسع وأشمل.

يقول المثل العربي: «ما هكذا تورد الإبل يا سعد». وفي حالتنا لم يحسن يوسف إيراد إبله، منذ البدء. وحتّى لا نحمّله وحده مسؤولية يجب أن نشير إلى أنّ الخليط الحزبي الذي تشكّلت منه حكومته لم يكن متناغما ولا متفقا على تصوّر واضح للحوكمة ومكافحة الفساد. بل لا نبالغ إن قلنا إنّ هذه القضية لم تكن من أولويّات الأحزاب والمكوّنات الحاكمة ولا جزءا بارزا من برامجها الانتخابية.

كما أنّ الصراعات الداخلية صلب هذه الأحزاب والانشقاقات والتصدّعات، أفرغت الحزام الحكومي من طاقة دفعه، فترك يوسف وحيدا وسط الذئاب.

السرطان حين ينتشر

من العبث القول إن حكومة الشاهد وفريقه الذي تحوم حوله عديد الشبهات المتعلقة بالفساد، على غرار رياض الموخّر وزير البيئة الذي فتحت النيابة العمومية في حقه تحقيقا بشبهة فساد، وفاضل عبد الكافي… يمكنها محاربة الفساد فعلا إن صدقت النيّة.

ومن جهة أخرى، لم يترك الفساد قطاعا لم ينخره، ولا مؤسسة لم يطلها، كسرطان أهمل فتفشّى في جسد مصاب. ويمكن لإحصائيات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن تعطينا فكرة عن الأمر.

فقد ورد على الهيئة أكثر من 11 ألف عريضة تبليغ عن الفساد، بمعدّل يومي 51 عريضة منذ أنشئت. وطالت الشكايات والعرائض كلّ الوزارات دون استثناء. كما بلغ عدد القضايا المحالة من قبلها على القضاء قرابة 170 ملفّا وذلك إلى حدود 22 ماي الماضي.

وقد بتّ القضاء في ثلاث قضايا من جملة الملفات المحالة، بالسجن، فيما تراوحت أحكام أخرى بين تحجير السفر وحفظ 5 ملفّات.

هذا البطء الشديد الذي يعاني منه القضاء التونسي مردّه عدّة عوامل، من بينها نقص العنصر البشري، وبطء الإجراءات القانونية وضعف الإطار التشريعي، إلى جانب الضغوطات المتعدّدة التي يتعرّض لها القضاة من قبل المتنفّذين وهم كثر اليوم في تونس.

هذا على المستوى الردعي، أمّا على المستوى الوقائي فالمعضلة أعمق، حيث إنّ الأمر لا يتعلّق بملفّات موجودة ووقائع يمكن تلمّس أركانها المادّية، وإنما بالتحوّط والرقابة بل ومراجعة شاملة لكامل المنظومة الإدارية، من خلال عصرنتها ودعم الإدارة الالكترونية والحدّ من هامش التدخّل البشري ما أمكن.

لكلّ ما تقدّم، لنا أن نشكّك ونطعن في حرب يوسف الشاهد وندعوه بكلّ لطف إلى النزول عن هذه المطيّة، فقد رضي التونسي من الغنيمة بالاياب.