معهد ”كارنيغي” يسلط الضوء على ”المسار الجغرافي للنزاع والتطرّف في تونس”

خلصت دراسة أعدها ”مركز كارنيغي للشرق الأوسط” إلى أنّ التهديدات الأمنية المُحدقة بمناطق تونس الحدودية حقيقية وتقرّ بها الحكومة التونسية، وأنّ الحكومات المتعاقبة على البلاد بعد الثورة فشلت في معالجة جذور الأسباب الكامنة وراء هذه التهديدات، والتي تُعتبر سياسية واجتماعية-اقتصادية في جوهرها.

وأشارت الدراسة التي نشرت في شهر جويلية الماضي، بالموقع الرسمي للمركز، إلى أنّ الحكومة التونسية تبالغ في ردة فعلها على التهديدات الأمنية من خلال اتّخاذ تدابير متشدّدة، واعتبرت أنها تقترف خطأ يتمثل في إرجاء البدء بتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، مايفاقم تهميش شباب المناطق الريفية.

ويرى المركز في الدراسة التي أعدها تحت عنوان “المسار الجغرافي للنزاع والتطرُّف في تونس”، أنه لاشك في أن الحرب على الإرهاب تستوجب تعديل التوازن القائم بين الحريات التي ناضل الشعب التونسي لنيلها من جهة، وبين الظروف التي يمليها الوضع الأمني السائد في البلاد من جهة أخرى، أنّ تونس تواجه تحدّياً معقّداً يتجلّى في كيفية التعامل مع عودة مئات الأشخاص الذين غادروا البلاد للمشاركة في حروب العراق وليبيا وسورية، في ظل التخوف من أن يزعزعوا استقرارها من خلال تعزيز الشبكات المتطرفة محليّاً، أو تنفيذ “الذئاب المنفردة” عمليات إرهابية.

ولفت المركز إلى أنّ بعض التونسيينيرون أن هذا الاحتمال الأخير يعيد إلى الأذهان شبح التمرّد المسلّح ضد الحكومة الجزائرية الذي دام عقداً كاملاً في التسعينيات، الأمر الذي دفع الحكومة وأجهزتها الأمنية تنتهج مروحة من المقاربات المتشدّدة والقاسية، تضمّنت سنّ سياسات تجريمية وووضع الأشخاص المشتبه بضلوعهم في التنظيمات الإرهابية تحت مجهر المراقبة المكثّفة.
ويرى المركز أنه قد يكون من المفيد اتّخاذ تدابير أمنية مشدّدة، شرط ألا يؤدي ذلك إلى حدوث انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان. فالشرطة تواصل معاملاتها المسيئة وممارسة التعذيب بحق الشباب – وهما سمتان أساسيتان من نظام بن علي – مايزرع في نفوسهم شعوراً عميقاً بالذل والمرارة تجاه الدولة وسلطتها.

وشدّدت الدراسة على أنّ “التدابير الأمنية المشددة” أداة أساسية من الأدوات التي تدفع الشباب للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية. وأوردت أنه كي تنجح السلطات التونسية في وقف التهديد الذي يطرحه التشدّد العنيف، لابدّ من بلورة استراتيجيات شاملة ترمي إلى تحسين القدرات الاستخباراتية وجهود مكافحة الإرهاب، ومعالجة الظروف التي أشعلت جذوة التطرف. وأنه في ظل غياب هذه الإجراءات، لن تؤول جهود الحكومة في نشر الجيش على الحدود، أو حملتها لضبط حركة التجارة عبر الحدود، إلا إلى مفاقمة حالة الانفلات الأمني التي تغرق في لججها المناطق الطرفية في تونس.

وحذر معهد كارنيغي من تهميش الحكومة للمدن والمناطق الحدودية مما أسهم في تحويلها إلى “بؤر للتحريض والاحتجاجات الاجتماعية” و من “مواصلتها ضيق الأفق بمحاربة الأيديولوجية الإسلامية مما أدى لتشتيت جهودها في معالجة الدوافع الحقيقية للتطرف”.

ووصفت الدراسة الحدود التونسية بـ “الهشة” وأنّ العديد من اليافعين في المناطق الحدودية التونسية فقدوا الثقة بعملية الانتقال الديمقراطي، وتنامت لديهم مشاعر لاهبة من الإحباط العميق، والحنق، والعداء لسلطة الدولة، وركزت على أنّ سنوات من الاحتجاجات المتّصلة أدّت إلى تصعيد وتصليب المطالب المُتمحورة حول عقد اجتماعي جديد يمكن أن يُسفر عن إعادة توزيع أكثر عدالة لموارد الدولة، وعن عملية إدماج تكون في آن شفافة وشاملة للجميع في مجال إدارة الموارد الطبيعية للبلاد.
وأشارت الدراسة إلى أنّ عجز الدولة، أو عدم استعدادها، لإصلاح أنماط الحوكمة- وأيضاً نزوعها إلى مهاجمة المُحتجين ووصمهم بأنهم مُثيرو شغب ومُهرّبون وإرهابيون- ساهم في رفع وتائر التسييس والتطرف لدى الشبان، وإلى أنّ الانقطاع المطوّل بين الدولة وبين المناطق المُهمّشة مسألة خطرة، تُهدِّد بإغراق البلاد في لجج عنف قد تدفعها إلى الارتداد ثانية إلى الحكم السلطوي القمعي.

ووجه المكز توصيات إلى السلطات التونسية وإلى المجتمع الدولي دعا فيها إلى “ضرورة الاعتراف بتجارب المناطق الحدودية المريرة مع التمييز الاجتماعي- الاقتصادي والعسف السياسي على مدى عقود كاملة، وكذلك الإقرار بمكانة الشخصيات التاريخية، والرموز، والانجازات التي قدّمتها هذه المناطق إلى تونس. وإذا ما ترافق ذلك مع برنامج تنمية جهوية حقيقية، فقد تساهم مثل هذه اللفتات في مصالحة الأطراف المحرومة والمغبونة مع الساحل المتوسطي الشرقي المُهمين على البلاد”.

كما دعا المركز إلى دعم الاستراتيجيات التي ترفع من وتائر القدرة التنافسية الزراعية، وتُصلح ملكية الأراضي، وتُحسِّن إدارة الموارد الطبيعية. إن استثمار قسط عادل من الأرباح المتأتية من الموارد المحلية في مشاريع لصالح هذه المناطق، يمكن أن يُحسِّن معيشة سكانها ويدفعها قدماً إلى الأمام.
كما شدّد على ضرورة إصلاح أجهزة الأمن الداخلي وقطاع العدالة الجنائية، ووضع برامج إعادة تأهيل وإدماج لمئات المقاتلين التونسيين العائدين من ساحات الحروب الخارجية، إضافة إلى دعم وتمكين نشاطات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ولجنة الحقيقة والكرامة. إن تقليص الفساد، واستعادة العدالة، وتوفير التعويض لضحايا القمع، كل هذا من شأنه تعزيز استقرار مُستدام.

رابــــــــــــــــــــــــــــــــــط الدراســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة