حرب معلنة بين الشاهد والرياحي!

عندما قرر سليم الرياحي اللجوء إلى القضاء البريطاني قال إنه «سيقاضي يوسف الشاهد»، المعنى واضح وهو مقاضاة الحكومة التونسية لكن ذكر رئيسها باسمه يتعدى مستوى الإحالة ليكشف عن حرب معلنة متواصلة إلى اليوم فما هي أسبابها؟ وما مآلها؟.

تونس ـ الشروق:
«قدمت قضية ضد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في بريطانيا…» هذا بعض ما قاله رئيس الإتحاد الوطني الحر سليم الرياحي في تصريح لقناة نسمة يوم 28 جوان الماضي.
الكلام صحيح من الناحية اللغوية والقانونية ـ الإجرائية وليس مطلوبا من صاحبه أن يوضح بأنه رفع قضية ضد الحكومة في حق ممثلها القانوني وهو رئيسها يوسف الشاهد أو أنه رفع قضية ضد الشاهد نيابة عن الحكومة التي يرأسها… ومع هذا كان بإمكانه أن يستعمل تعبيرا أسهل وأوضح وهو الإكتفاء بالقول إنه رفع قضية ضد الحكومة التونسية في بريطانيا دون التعرض إلى اسم رئيس المشتكى بها.
لو كان الرياحي صديقا للشاهد أو مقربا منه أو متحمسا له لتحاشى ذكره باسمه، وعليه فإن الأول فضح عن قصد أو دونه علاقة ترتقي إلى مرتبة العداء بعد أقل من سنة واحدة من التحابب والتناغم:
«قرار ثوري بامتياز»
«رئيس الحكومة يوسف الشاهد كان يتقاضى مرتبا من رئيس الحزب سليم الرياحي» ما صرحت به الناطقة الرسمية باسم الاتحاد الوطني الحر سميرة الشواشي في لقاء إذاعي لا يلزمنا معها ولا يمكن أن يكون كاشفا على نوعية العلاقة السابقة في غياب أدلة تثبت كلامها، لهذا سنلوذ ببراهين أخرى:
فحتى يوم 2 أوت 2016 كان «ترشيح يوسف الشاهد لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية قرارا ثوريا بامتياز» من وجهة نظر سليم الرياحي «ينبغي دعمه من قبل الجميع للنجاح في المرحلة القادمة» وفق ما قاله يومها في تصريح إعلامي. لكن لم يمر أكثر من 17 يوما حتى رأى في تدوينة له على صفحته في الفيس بوك أن «هذه الحكومة ستكون أضعف من حكومة الصيّد إن لم نقل جميع الحكومات السابقة…».
ما الذي تغير خلال أسبوعين؟، ما الذي قلب الحماس إلى خيبة أمل؟، الإجابة الظاهرة أن «طريقة تشكيل الحكومة الجديدة وإدارة المفاوضات حولها بعثت مؤشرات» حول الضعف لكننا نتوقع أسبابا أخرى:
لا يخشى مكافحة الفساد
هناك سبب أول وقع تداوله إبان مفاوضات تشكيل الحكومة حول وقوع تصادم بين الرياحي الراغب في تمثيلية قوية ومؤثرة صلب حكومة الوحدة الوطنية وبين الشاهد المطالب بإرضاء عدد كبير نسبيا من الأحزاب الحاكمة وخاصة الشريكين القويين النداء والنهضة.
وهناك سبب آخر وقع تداوله باحتشام حول رغبة الرياحي في حقيبة وزارية خاصة به. وهناك سبب آخر غير معلن حول كشف الشاهد عن نيته شن حرب حول الفساد لا تستثني أحدا يتم فيها فتح جميع الملفات سابقا على القضاء.
لا نملك دليلا قاطعا حول التضارب بين الرجلين، ولكننا نملك أثرا قياسا على «البعرة تدل على البعير» ففي تصريح إعلامي بتاريخ أوت 2016 قال الرياحي إنه لا يخشى الحرب على الفساد وأنه سيكون ممنونا لو تم منح حزبه حقيبة تعنى بمكافحة الفساد حتى يكون أول المنخرطين في الحرب. المهم أن كرة الثلج بدأت تكبر وظلت الهوة تتسع معها بين الرجلين:
لم يغفرا له
وصل الحد بالرياحي إلى القيام بزيارة مجاملة إلى اتحاد الشغل خلال أزمته مع الحكومة عبّر فيها لأمينه العام عن مساندته غير المشروطة قبل أن يصف الحكومة بكونها «تغفص» ويستغل الفرصة في مطالبة رئيسها صراحة بالاستقالة.
هل هو التسرع أم نقص الخبرة السياسية؟ فالرياحي لم يحصر هجومه في الشاهد وحكومته بل وسعه على قصر قرطاج في مرحلة أولى (المستشارون) ثم رئيس الجمهورية قايد السبسي شخصيا عبر مطالبته بالاستقالة.
في خضم هذه الحرب سعى إلى إقامة تحالفات حزبية يكون هدفها الأول معارضة الحكومة والسعي إلى إسقاطها ووجد آذانا صاغية من زعيم حركة مشروع تونس لكن لا الباجي ولا الشاهد غفرا له تطاوله فكان واحدا من أهم ضحايا الحرب على الفساد عبر نفض غبار قضيته النائمة منذ سنة 2012.
في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم بل هناك مصالح وحرب مصالح سياسية تحتاج مثل جميع الحروب إلى وسائل وخطط واستراتيجيات وتحالفات فكيف كانت الحرب بين الشاهد والرياحي؟.
لصالح الشاهد
لا نجد تصريحا واحدا للشاهد يتهجم فيه على الرياحي أو حزبه خلافا لخصمه الذي تعلم من رئاسته النادي الإفريقي أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم لهذا ظل يناور ويهاجم يمنة ويسرة ووسطا ويعتمد أسلوب الضغط على خصومه في مناطقهم دون أن يحقق هدفا واحدا يبرر طريقته الهجومية.
الرياحي لم يخطئ في أسلوبه ووسائله فقط بل أيضا في استراتيجيته وحلفائه والدليل في رهانه الخاسر على زعيم حركة المشروع محسن مرزوق.
في المقابل يحافظ الشاهد على حلفاء لا يمكن أن يقفوا ضده إلى جانب الرياحي مهما اختلف معهم: هو في خندق واحد مع رئاسة الجمهورية ضد الرياحي ولا يمكنه أن يتصادم مع الندائيين ولا النهضويين من أجل الرياحي.
الأهم من هذا أن أغلبية الرأي العام تثق في الشاهد وتقف إلى جانبه منذ أعلن الحرب على الفساد فيما لا يملك الرياحي غير أقلية نسبية.
موازين القوى ترجح حاليا كفة الشاهد ولا نرى مؤشرات جدية لتغيرها ما لم ينقلب كل شيء رأسا على عقب في زلزال سياسي غير متوقع. في انتظار ذلك على الرياحي أن يتعلم من أخطائه إن كانت له رغبة في مواصلة النشاط السياسي.