فتحية السعيدي تكتب عن الجدل العمومي حول الميراث

تعيش تونس على وقع الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بصدور مجلة الأحوال الشخصية ردود فعل متباينة ومتنوعة تصل إلى حد التناقض، تجاوزت الحدود التونسية لتثير ردود فعل مختلفة، فبين ردّة فعل جامع الأزهر المعترضة على المساواة في الميراث وعلى زواج التونسية من غير مسلم وردة فعل الشيخ مصطفى راشد مفتي أستراليا مراوحا بين الرفض التام والقبول شبه التام وبين بيانات بعض الأحزاب التي عبرت عن مساندتها لما جاء في الخطاب وبيانات “شيوخ أو أئمة” لبسوا عمامة الزيتونة بونا شاسعا من الزمن وسلسلة من الخصومات حول نموذج المجتمع وحول عالمية حقوق الإنسان. وبمعزل عن وجاهة الآراء من عدمها فإن طرح موضوعي المساواة في الميراث وحرية اختيار الزوج حتى وإن كان “غير مسلم” للنقاش وللجدل العمومي هام على الأقل من زوايتين اثنتين:

الزاوية الأولى، تتعلّق بموضوع المساواة بين التشريع الإسلامي والقانون الوضعي وبين الفكر التقليدي والفكر التحديثي.

أما الزاوية الثانية فتتعلّق بالجدل العمومي ذاته وآثاره في مجال ترسيخ أسس الديمقراطية التداولية بالمعنى الهابرمسي والتي تقوم على صناعة الرأي العام من خلال النقاش كأحد الآليات المهمة المرتكزة على الحجاج وقوة المنطق.

لقد كانت ولا زالت المساواة بين النساء والرجال مسألة ذات بعد سياسي واجتماعي وقانوني. هي كذلك، لأن تناولها يمس في العمق ترسبات فكرية وعقائدية وعُرفية تمّ مزيد إحكامها وترسيخها بالاستناد على تأويلات وقراءات للنص المقدس. وبين المقدّس والمدنّس وبين ما حلله الله وما حرّمه فكر موغل في السلفية وفي القراءة الذكورية البحتة. وهو فكر عرف جدلا وسجالا كثيرا منذ عصر النهضة العربية ومنذ أن تساءل زعماء الإصلاح في القرن التاسع عشر عن أسباب التخلّف وخلص جميعهم بأن ثلاثة أسباب وراء ذلك، نلخصها في الآتي: 1. استحكام استبداد الحكام في إشارة لتاريخ طويل من الاستبداد، 2. سد باب الاجتهاد، وتوقفه مع المذاهب والأئمة الأربعة (الإمام أبو حنيفة، الأمام مالك بن أنس، الإمام محمد بن إدريس الشافعي والأمام أحمد بن حنبعل)، 3. وتحرير المرأة وتعليمها.

لقد مثّل رواد الإصلاح حلقة مهمّة في بلورة الأفكار التحرّرية حول المرأة والمجتمع، إذ تعلّق رجال الإصلاح في البلاد العربية عامة، ولا سيما، في تونس، منذ القرن التاسع عشر بالقيم الدستورية، وما تفرضه من قيم ومبادئ تنعكس إيجابا على كل الشرائح الاجتماعية بما في ذلك المرأة. وعموما، فإن الفكر الإصلاحي التونسي سار منذ نشأته في مسارين متلازمين : الأول سياسي، تميّز بإرساء الحكم الدستوري، والثاني اجتماعي/ ثقافي اتجه إلى إصلاح التعليم وتطوير الثقافة وتغيير المجتمع. وهو نهج اعتمد عليه خير الدين باشا ودعمه الطاهر الحداد وسار على خطاه الحبيب بورقيبة وتواصل إلى اللحظة الراهنة في اتساق تام وتطوّر مستمر مع خطاب الرئيس. وما يغيب عن الكثيرين بأن الدعوة للمساواة في الميراث ليست جديدة على المجتمع التونسي فقد دعا الطاهر الحداد في كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع إلى ذلك منذ 1930، كما طرح الزعيم بورقيبة هذا الموضوع في أواخر السبعينات. إذن، الجدل حول هذا الموضوع قائم منذ قرون، وهو موضوع قد تناولته أيضا، الحركة النسوية المستقلة ودافعت عنه من خلال مطالبات بُنيت على دراسات تمّ إنجازها لمعرفة الثابت والمتحوّل في العلاقات الأسرية وفي المجتمع وللتعرف عن الممارسات في مجال توزيع الميراث. هذه المطالبات للحركة النسوية هي نتاج لوعي نسوي غير منفصل عن الفكر الإصلاحي التونسي ومرتبط بالثقافة الإنسانية المساواتية التي تنهل من قيم ومبادئ حقوق الإنسان الكونية. فأن يتم تناول هذا الموضوع وطرحه من جديد فهذا غير منفصل عن مسار من المناقشات الطويلة ومن التطوّر لمنظومة الحقوق التي تدعمت في دستور 2014. فالفصل 21 والفصل 46 يوجبان التطوّر ويضعان الدولة أمام مسؤولياتها في حماية الحقوق الفردية وتكريس تكافؤ الفرص وتحقيق المساواة وفي هذا الإطار يتنزل الخطاب المثير للجدل لرئيس الجمهورية يوم 13 أوت 2017.

خصومة حول المساواة التامة بين الجنسين أو تجاذب التقليديين والتحديثيين

تذكرنا هذه الخصومة حول مسألة المساواة في الميراث وحول الزواج بغير مسلم بالخصومة التي دارت حول كتاب الحداد التي كانت لها أبعاد سياسية وأخرى اجتماعية. فالحداد الذي كان ثاني قيادي بعد محمد علي الحامي في جامعة عموم العملة التونسية، كان أيضا، إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الحر الدستوري القديم، وقد نشب نزاع بينه وبين قياديين آخرين، إثر خروج الثعالبي حول من يخلف هذا الأخير. لقد بدأ الهجوم على كتاب الحداد مباشرة إثر صدوره في 5 أكتوبر 1930، وكانت جريدة النديم في صدارة الصحف المتهجمّة. ما يهمنا من هذا التذكير هو التأكيد على أن طرح موضوع تحرير النساء ومساواتهن بالرجال كان ولا زال محل خلاف وجدل يختلف عمقه باختلاف السياقات المنتجة له. وما يميز الجدل الذي أثير إثر خطاب الرئيس أن موضوع المساواة في الميراث يطرح في سياق تاريخي مختلف. وهو سياق تطوّرت فيه التشريعات وصادقت فيه الدولة التونسية على العديد من المعاهدات الدولية وخاصة هو سياق يأتي بعد ثورة حدثت ورفع من خلالها شعارات ومطالبات بالحرية وبالعدالة الاجتماعية وبالمساواة. وهي قضايا لا يمكن تحقيقها إلا في ظل نظام ديمقراطي وفي إطار دولة مدنية متفق على طبيعتها وعلى مآلها. وهذا هو جوهر الموضوع، بمعنى آخر: هل نرغب في التأسيس للديمقراطية التي ترتكز على مبدأين أساسيين، هما الحرية والمساواة أم لا؟ هاهنا، نجد مشروعين مجتمعيين يتنازعان أحدها يتجه نجو مزيد تحديث المجتمع والدولة وثانيها يتجه نحو تأبيد الأوضاع مرّة باسم الدين وأخرى باسم العرف والعادة.

جدل عمومي تجاوز الحدود ومؤسس للديمقراطية التداولية

وكما فتح كتاب الحداد جدلا عموميا ليس فقط في تونس بل تجاوزها إلى بلدان عربية أخرى، انقسمت فيها الصحف بين معارض ومساند، شهد طرح رئيس الجمهورية موضوع المساواة في الميراث نفس المصير. فجاءت ردود فعل من خارج تونس وتكلّم الأزهر في محاولة لإعادة الاعتبار لدور شبيه بدور الكنيسة القروسطية، منكرا على تونس نقاشها المجتمعي الداخلي وواصفا إياها بالخروج عن الإسلام.. والواقع هو ليس خروجا عن الإسلام بل هو خروج عن الأنساق المغلقة وعن التفكير الأحادي الخالي من الرؤية المنفتحة عن العصر.

الخصومة مع الحداد، بدأت في الصحافة… وقد شارك فيها من قرأ ومن لم يقرأ الكتاب وكذلك الخصومة مع قيادة تونس فقد شارك فيها من كان مطلعا على تطور المجتمع وعلى دستور البلاد ومن لم يطلع على الدستور ومن لم يواكب المتغيّرات الاجتماعية التي عرفتها تونس، فالمرأة التونسية تساهم في الإنفاق الأسري بمقتضى تعديل للفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية منذ 1993 وهي العائل رقم 1 للأسرة في وضعيات وحالات اجتماعية كثيرة وهذا تؤكده العديد من الدراسات الاجتماعية. كما أن المتتبع لمؤشرات مشاركة النساء في الحياة العامة يلحظ ارتفاعا لمشاركتها في كل المجالات. ولئن كانت المؤشرات دالة على نسق تطور عرفه المجتمع التونسي فإن القضاء على التمييز والعنف المسلط على النساء يقع ضمن مشمولات الدولة، لذلك، من البديهي أن تسعى الدولة إلى تطبيق القانون واحترام المبادئ الواردة في الدستور تحقيقا للعدالة والإنصاف والمساواة.

إن الخصومة مع الحداد التي دارت رحاها على صفحات الصحف، وكانت نتيجتها عزل الحداد ورميه بالزندقة لن تتكرر نتائجها في تونس اليوم، لأن السياق والواقع الاجتماعي مختلفا، هذا إلى جانب وجود ضمانات دستورية ومعاهدات دولية ومؤسسات دستورية سائرة نحو الاستكمال وضامنة للحريات. فلا الزيتونة التي يرغب البعض في إعادة إحيائها يمكن لها أن تلعب دورا مثل الذي لعبته زمن الحداد ولا الأزهر يمكن أن يكون لما يصدر عن ممثليه، أثرا في شأن داخلي تونسي بحت، ولا دعاة الحريم قادرون على إعادة “الحرملك” ولا الإسلام السياسي يمكنه أن يغير من نمط المجتمع وإن تغلغل واكتسح الميدان العام، فقط، لأن حركة التاريخ لا تعود للوراء وإن حاولت قوى الشد والجذب تغيير عقارب الساعة. وهنا يكفي التذكير بهبة النساء والرجال في 13 أوت 2012 لمناهضة وتغيير ما جاء في النسخة الأولى من الدستور ورفضهم “للمكمّلة” وتذكيرهم بأن المواطنة كل لا يتجزأ وبأن النساء مواطنات كاملات الحقوق. والأهم في كل ما يجري هو الجدل العمومي الذي يجب أن يقوم على الحجاج والمناقشة. وهذا هو جوهر الديمقراطية التداولية أو التواصلية فللجميع حق في إبداء الرأي دون ثلب أو تطاول أو تشويه ووفق ما يتطلبه الحوار وفي إطار القانون. وهذا من شأنه أن يؤسّس لمبدأ المناقشة السياسية التي يمكن أن تنتج تشريعاً حوله اتفاق من قبل الجميع، وهو توافق يجد مرجعيته في الفضاء العمومي كمجال للحرية ويؤسس للعيش معا ولحياة عامة مشتركة بين الجميع. لذا، لا أراني كناشطة في الحقل الحقوقي والسياسي منزعجة من ردود الفعل المتباينة وإن كانت العديد من الردود تبيّن ضحالة الحجج وتعبّر عن الترسبات والتمثلات الاجتماعية التي تنهل من الفكر الأبوي فتتحصن بالموروث حينا وبالدين حينا آخر. فبكلمة المساواة في الميراث لها طابعا اقتصاديا واجتماعيا وآثارها ستكون كذلك ولكن في اتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية وتغيير العقليات وتطوير التصورات الاجتماعية والحس العام المشترك.