نهاية المسار الانتقالي في تونس بقلم نور الدين العلوي

أمام باب الأسباط علم كل أناس مشربهم. انفلق حجر وسالت عيون وعرف كل أناس مسربهم نحو نهاية متوقعة ومرتجاة. من كان يؤمن بالجمهور عرف النصر وحرر قدسه بالصمود ومن كان يعتمد على التراتيب خانته التراتيب. أمام باب الانتخابات التونسية (باب الإحباط) انفلق الحجر ولم يسل ماء وأقبل العطش القديم مختالا بانتصار بيّن. لقد ذوّب الجميع في مصهر الخديعة وأفاق الجمع المخدوع عن نفسه بالتراتيب. سقط المسار الانتقالي بقشة صغيرة لم يكن قويا بما يكفي ليصمد كانت دفعة صغيرة بقشة تكفيه ليسقط في آخر يوليو التونسي 2017 نكتب محبطين برغمنا فالحد الأدنى من البقاء السياسي والتفاهمات التي أكلنا من أجلها الحصرم تنهار كأن لم تكن. ونشرف على بقية صيف قائض ومعطش ومنذر بموت ولا معجزة. لقد هرب حزب النداء (حتى الآن) بإجراءات شكلية من الاستحقاق الانتخابي البلدي ورغم تذلل حزب النهضة الشريك وتوسله بالتنازلات إلا أن المسار ممسوك الآن بخيط رفيع أوهن من خيط العنكبوت.

القشة الشكلية التي تسقط المسار

هيئة الانتخابات منقوصة من ثلاثة أسماء. لم يفهم أحد أسباب استقالة رئيسها صرصار ولم يفسر صرصار دموعه مرتين لقد استقال ومعه عضوان. الفراغ لا يسمح بإجراء الانتخابات فالنقص قانوني أيضا ولذلك وجب تكملة الهيئة بانتخاب أعضاء معوضين من قبل البرلمان تلك هي التراتيب.

حرن حزب النداء في البرلمان فإما أن يصعد أعضاء موالين له في الهيئة أو أن يهرب من الجلسة وتظل الهيئة منقوصة والانتخابات غير قانونية. حجته في ذلك أن الهيئة قد انتخبت في ظل معطيات سياسية قديمة فعلى الأرض لم يكن النداء قائما ولكنه حضر الآن ويجب أن يعيد ترتيب الأوراق على أساس معطيات جديدة. لا داعي هنا لمواصلة التكاذب السياسي عن حياد الهيئة.

أول أغسطس يدخل البرلمان عطلته السنوية التي تدوم شهرين وعمليا لم يتم سد الشغور في الهيئة بقي هناك حل وحيد هو دعوة البرلمان في عطلته لجلسة عامة خارقة للعادة تكون جلسة انتخابية ولكن هذا مرهون باتفاق سياسي خارج البرلمان بين الحزبين الحاكمين وبين معارضي إجراء الانتخابات وهم كثر. (الحزب الجمهوري وحركة المشروع والجبهة). فإذا لم يحصل الاتفاق المسبق لن تعقد الجلسة ولن يسد الشغور ولن تجرى الانتخابات أما شرط الاتفاق فهو أن يكون سد الشغور بمن يقترحهم حزب النداء. وهذه ضمانة كافية لتزييف الانتخابات وهذا ليس رجما بالغيب أو مصادرة على المطلوب.

حزب النهضة في وضع حرج

خيار حزب النهضة الوحيد هو بقاء المسار الانتقالي يعمل ولو بالحد الأدنى فأن تجري انتخابات نصف مزيفة خير من أن لا تجري أبدا. أما توقف المسار فمعناه عودة كاملة للدكتاتورية أو الدخول في حالة فوضى عارمة وهو الوضع الذي يخشاه الحزب على نفسه. لان دائرة العنف ستدور عليه لا لقلة في العدد ولكن لرهاب الإرهاب الملتصق بكل حزب إسلام سياسي الفوضى بوابة التدخل الخارجي السافر والتدخل الخارجي يخرب الدولة عامة ولكنه يتوجه إلى النهضة رأسا. في الفوضى يهرب الحزب من العنف ولكن ذلك غير كاف ليبقى لذلك فإن الجزب أمام معضلة انتخابات مزيفة أو لا انتخابات سيختار الحزب مضطرا الانحناء للمناورة ويخسر الهيئة التي تصير غالبيتها ندائية متوافقة على التزييف وكل تزييف يستهدف النهضة ومن قد يعتمد خطاب الثورة. (رغم إنهما ليسا جهة واحدة).

منذ البداية في 2011 اعتمد حزب النهضة هذه السياسية المتواضعة ولم يصعّد في خطابه وناور بأنصاف الحلول وحصل مكسبا مهما له وهو استمرار المسار الذي يسمح بانتخابات.

اشتغل الحزب على قدراته الذاتية فبنى ماكينة انتخابية موثوقة. وهو يراها ضمانته الخاصة فالمراقبة داخل المكاتب ثم الفرز على عين المكان قبل تصعيد النتائج يعتبرها سلاحا فعالا ومهما كانت نوايا الهيئة ضده فإنه يضمن الفوز في القاعدة.

وقد أفلح في إنقاذ مكانته في تشريعية 2014 والآن لديه ضمانات أكبر فالبلديات غير التشريعية كما أنه بذل جهدا أكبر في تقوية ماكينته الانتخابية. في المقابل وفيما كانت النملة النهضوي تسبك ماكينتها اشتغل النداء صرصارا صيفيا. يوزع المناصب والمغانم ويعمل بطريقة التجمع القديمة أي بضمان الجهاز الإداري لمصلحته بالمعتمدين المحليين والعمد القدامى الراجعين بقوة في المناطق الصغرى. لكن هذا حل فردي وليس حلا لانتخابات نزيهة وشفافة إذ يفترض أن تزييف الانتخابات ضرر عام وليس ضرر يمس حزبا واحدا.

الفقاقيع الثورية لا يعتد بها

اختار وصف الحزيبات الصغيرة التي تعلن الانتماء للثورة وتقف خارج التوافق القائم بالفقاقيع فهي طيلة ثلاث سنوات لم تفلح في الاتفاق على برامج مرحلية للعمل وبقيت رهينة نوازع زعاماتها الصغيرة معتقدة أنها قادرة بالصوت الثوري وحده على أن تواجه ماكينة النداء الإدارية وتطلب في الأثناء من حزب النهضة أن يسقط لها النداء لتمر. ولم نسمع لها صوتا بخصوص معركة استكمال الهيئة ولا نراها تستبق بالضغط في الشارع لكي لا يتم تركيب هيئة انتخابية موالية لحزب واحد.

في الاحتمال الضعيف لعقد جلسة استثنائية سنراها تنسحب أو تزايد ولكن لن تقف مع حزب النهضة في فرض مرشح من خارج النداء ويتمتع بالحياد الضروري. سيكون كل مرشح محايد نهضويا مدسوسا وفي منطق هذه الأحزاب/الفقاقيع الخطر النهضاوي لا يختلف عن الخطر الندائي وعليه فالمعركة مخسورة لديها مسبقا وحضور الجلسة ليس ضروريا. والموازين داخل البرلمان معروفة وهي لصالح النداء. وكتلة النهضة ليس قادرة وحدها على إسقاطه.

طبعا هناك تفصيل مهم هذه الهيئة ستكون مكلفة لاحقا بالتشريعية والرئاسية لسنة 2019. ومن ركبها الآن أو يركبها بوجوه ندائية سيضمن بها المواعيد القادمة. حينها سيكون على الفقاقيع الثورية أن تلعن النهضة التي تنازلت. فبعض خبرة هذه الأحزاب يقف عند مثالب النهضة وفي جوهر عملهم تزكية النداء.

هل تتمرد النهضة وتنسحب من التوافق؟

هذا احتمال من قبيل الجدل ولا أرضية له في الواقع. فالنهضة قد تقايض تزييفا بتزييف في إطار قدراتها الكامنة على التفاوض في الكواليس ولها مفاوضوها المتبحرون. أما احتمال أن تهدد النداء بالانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية فهذا من الأماني. لقد تمت أنسنة النهضة وتونستها بما تعنيه التونسة من قبول بالفساد والتزييف والرضا بالحد الأدنى من كل شيء أو ربما بالنزول تحته قليلا لتستمر الماكينة في الدوران.

يضع المفاوض النهضاوي أمامه مكسب اجتناب العنف. ولو بخسارة الانتخابات. هكذا دخل انتخابات 2014 وهكذا سيدخل انتخابات 2018 و2019. هل أن قدراته تقف فعلا عن هدف إنقاذ الجسم النهضاوي أم يمكن تتسع لإنقاذ البلد من النداء (ممثل المنظومة وحامل وزرها والمستفيد من طاقاتها التخريبية).

عند غالبية واسعة من الناس بما في ذلك الفقاقيع الحزبية النهضة ليست منقذا بل كارثة وعليه فلا مجال لطرح السؤال عن احتمال لقاء وتوافق سياسي معها ضد النداء. هذا أيضا من الجدل ولا أرضية له في الواقع.

يتصرف النهضاوي على أن ليس له أصدقاء. ويعيش غالب وقته بشعور المظلومية التي تضاعفت في فترة حكم الترويكا. لذلك سيتصرف على قاعدة الرضا بالحد الأدنى ولم يبق له إلا أن يقبل بهيئة انتخابية ذات غالبية ندائية. ويسلم بالنتيجة قبل الانتخابات ولا ينسحب من حكومة الشاهد. ولو شاهدها تعلن نتائج انتخابات مزيفة.

قد عجز حزب النهضة داخل البرلمان عن فرض جدول القوانين القابلة للنقاش ولذلك نوقشت كل القوانين وصودق عليها بينما شاهد الجميع بما في ذلك ممثلو الفقاقيع في البرلمان التهرب من مناقشة تسديد شغور الهيئة قبل العطلة البرلمانية.

نحن نتجه إلى انتخابات مزيفة إنجازها كعدمها وأمام الاحتمال الضعيف جدا لتمرد نهضاوي على التوافق القائم (هو أقرب للوهم منه للحقيقة) لم يبق إلا أن نغلق ملف الانتقال الديمقراطي نهائيا ونستعد لفوضى بشعة أو دكتاتورية أشد بشاعة.

كانت الانتخابات البلدية تعني بداية هدم النظام الإداري المركزي وتحويل سلطة القرار بالتدريج إلى المحلي وتمكين الناس من حكم أنفسهم بأنفسهم وتفريغ سلطة المركز في سلطته الفوقية الممركزة في يد قلة بيروقراطية غبية مهما تذاكت. هذه البيروقراطية تعرف ذلك وتقدر أهميته لذلك عملت كل ما في وسعها وبكل الحيلة السياسية المنحطة التي تتقنها لتحول دونه وقد نجحت حتى اللحظة. وسيكون إلغاء الانتخابات البلدية نصرها المؤزر على الثورة وعلى الدستور. ولا عزاء للثوريين.

أمام باب الأسباط انفجر الحجر انتصارات وعرف كل أناس مسربهم نحو الخطوة القادمة لقد تجاوز الشعب التراتيب والمؤسسات في القدس لكنه في غزة وفي ذات الوقت وتحت ثقل التراتيب والمؤسسات والتفاوض الخانع يستقبل دحلان ليأخذ نصف غزة. من لم يؤمن بالشعب تطحنه التراتيب.

شيء ما يقول لي إنه اختلاف في المنهج واختلاف في التصور واختلاف في القدرة على تحمل مغامرة الثورة. ومن لم يفلح في قراءة الصورة كاملة فقد عمشت عيناه.