عادل بن عبد الله : قراءة في خطاب الرئيس التونسي أو “الحكواتي الأخير”

بحكم الوضع المتأزم على أكثر من صعيد نتيجة فشل الحزب الأغلبي في الوفاء بوعوده الانتخابية، وبحكم السلطات التي يتمتع بها واقعيا (لا دستوريا) رئيس الجمهورية، مثّل خطاب الباجي قائد السبسي الحدث الأهم منذ أن أعلن عنه قصر قرطاج بصورة يحكمها البعد “المشهدي” وطابع “البروباغندا” التي تبالغ في تثمين الحدث وفي الرفع من سقف الانتظارات المرتبطة به. مبدئيا، يمكننا أن نقول إنّ خطاب10/ ماي 2017 قد جاء في سياق يغلب عليه أفق انتظار/توقّع سلبي لدى الأغلب الأعم من الشعب التونسي، (بحكم ما شاع حول رغبة الرئيس في الاستفتاء على تعديل الدستور و/أو قانون المصالحة الاقتصادية مع رموز الفساد في نظام المخلوع).

للوقوف على الوضع “السريالي” الذي وصلت إليه الحياة السياسية في تونس، يمكننا أن ننطلق من حادثة جزئية لكنّها ذات دلالات تتجاوز الإطار الضيق الذي تنزلت فيه؛ فعندما سئل نور الدين بن تيشه المستشار السياسي لرئيس الجمهورية عن خطاب رئيسه قال: “سيكون هناك ما قبل 10/ماي وما بعده”، وعندما سأله المذيع عن أهم النقاط في الخطاب “التاريخي” المنتظر، قال “المستشار السياسي “بن تيشه: ” لا أعرف شيئا عن الخطاب”.

وسواء أكان هذا الجواب “كاذبا” والتمسنا له الأعذار في باب التحفظ الواجب على السياسي المؤتمن على أسرار الدولة، أم كان جوابا “صادقا” واعتبرناه إشارة إلى انقطاع العلاقة بين الرئيس ومستشاره السياسي، فإنّ الجواب يجعلنا أمام مظهرين من أهم مظاهر الأزمة السياسية في تونس: الأزمة الوظيفية (بحكم تغليب مبدأ الولاء قبل الكفاءة، هذا المبدأ الذي أصبح مدرجا “للترقي الاجتماعي” بعيدا عن أية معايير عقلانية، فضلا عن المعايير “الوطنية”) والأزمة القيمية (بحكم غياب أي تأسيس جديد للعقل السياسي واستمرار الاحتكام إلى المنطق الميكيافلي في أسوأ صوره السلطوية النابذة لـ”تخليق” الحقل السياسي).

لا شكّ في أنّ أفق انتظاراتنا من شخص ما أو من مؤسسة معينة يتشكل بتراكم مجموعة من الخبرات والتجارب السابقة التي تصبح “نظاما مرجعيا”، يحدد تفاعلنا مع ذلك الشخص أو تلك المؤسّسة. ولا شكّ أيضا في أنّ الحديث عن أفق انتظار موحّد يشترك فيه “كل التونسيين”، هو أمر لا معنى له إلاّ في مستوى الادعاءات الذاتية؛ فالانقسامات الحزبية والأيديولوجية والجهوية والقطاعية تشق المجتمع التونسي، وتجعل من الحديث عن “نظام مرجعي” واحد يحكم التفاعل مع خطاب الرئيس التونسي ضربا من التدليس والتلبيس.

مبدئيا، دون الدخول في التفاصيل يمكننا أن نتحدث عن أُفقي انتظار أو نظامين مرجعيين أساسيين، كان على الرئيس التونسي أن يستحضرهما وهو يُعدّ العناصر الرئيسية في خطابه “الشفوي”، (اندراجا في التقليد البورقيبي): أفق انتظار من سيتحدث باسمهم وباسم مصالحهم بصورة صريحة أو مخاتلة (وهم أساسا من أسماهم الرئيس بـ”الملاّكة” من المنتمين للمنظومة الحاكمة قبل الثورة وبعدها)، وأفق انتظار من سيتحدث إليهم ويُوهم بأنه سيتحدث أيضا باسمهم وباسم مصالحهم، ( وهم أساسا المرتبطون بالسردية الثورية، الذين كانوا ومازالوا موضوع الحكم وضحية سياساته قبل الثورة وبعدها).

قبل الخطاب “التاريخي” للرئيس التونسي، وبحكم التحشيد الإعلامي في اتجاه خلق رأي عام مساند لـ”قانون المصالحة” ومُشيطن للحراك الاجتماعي، كان من الواضح أنّ محور ذلك الخطاب لن يخرج عن الالتزامات “الحقيقية” التي قطعها الباجي لأطراف معينة (لا تلك الالتزامات والوعود التي قطعها لناخبيه ولعموم الشعب التونسي)، كما كان من الواضح أنّ الدولة قد قررت المرور إلى مرحلة جديدة من التعامل “القمعي” مع الاحتجاجات المطلبية، خاصة في الجنوب التونسي. ولم يأت الخطاب ليكسر أفق الانتظار هذا، بل جاء ليؤكده باعتباره “سياسة دولة” في عهد “منقذ الدولة”.

لفهم خلفية خطاب الرئيس التونسي والمحددات غير اللغوية لأدائه، علينا أن نقف عند بعض المعطيات المرتبطة بالبعد المشهدي في الخطاب. توجد في التراث التونسي الشعبي شخصية مهمة يقال لها “الفداوي” (ويقابلها في المشرق”الحكواتي”)، وهي شخصية تمتهن سرد القصص في الفضاءات الخاصة والعامة. وقد كان لشخصية “الفداوي” تأثير كبير في بناء الأشكال التواصلية التي اعتمدها المرحوم الحبيب بورقيبة. كان “الزعيم” مغرما بالشفوية وكان ذا ثقافة مسرحية محترمة، وكان أيضا مولعا بـ”الجملة” الشعبية (ببلاغتها وصورها ومجازاتها وقصصها ومخيالها)، تلك الجملة التي كانت “أنا الزعيم” تحضر فيها باعتبارها الخيط الناظم للمعنى والضامن للإنجاز.

في سياق الدولة الوطنية ومن جهة الوظيفة الآنية للخطاب، كان سلوك المرحوم بورقيبة سلوكا وظيفيا؛فقد كانت جملته الشفوية (بصرف النظر عن قيمتها المنطقية وعن قدرتها “التحديثية” الحقيقية لا المتخيلة)، تستطيع الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور الذي تغلب عليه الأمّية اللغوية والسياسية. أما في المستوى الاستراتيجي، فقد كان سلوكا خطيرا بحكم ما ولّده من ثقافة سياسية “زعاماتية” تعتمد المشافهة والأسلوب الخطابي، وهي الثقافة التي مازلت تحكم أتباعه (ومنهم الباجي قائد السبسي) في وقت تغيرت فيه ثقافة المتلقي وانتظاراته المشروعة من جهة أولى، وانحسرت فيه ثقافة “الزعاماتية” و”أحادية الصوت” التي طبعت دولة الاستقلال من جهة ثانية.

تمهيدا لتحليل العناصر المضمونية للخطاب، يمكننا أيضا أن ننطلق من تحليل العناصر السياقية التي قدّرنا أنها ستساعدنا في كشف آليات اشتغال العقل السياسي للرئيس التونسي. فلو أردنا استعارة تعبير من عالم الحيوان (وما الإنسان إلا حيوان ناطق)، لقلنا إنّ الخطاب هو أشبه ما يكون بعملية “تعليم للمجال” Marquage Du Territoire يقوم بها الرئيس التونسي (الذكر المهيمن)، باعثا برسالة واضحة إلى باقي الخصوم السياسيين (الذكور التابعين والراغبين في وراثته). فرغم أنّ الدستور لا يعطي الرئيس إلا صلاحيات محدودة مقارنة برئيس الوزراء، فإنّ الجميع يعلمون أنّ الباجي قائد السبسي قد أعاد النظام الرئاسي واقعيا، مما يجعل من يوسف الشاهد “وزيرا أوّل” لا رئيسا للحكومة.

في قصر المؤتمرات، احتل الباجي “الركح” وحيدا وترك باقي الفاعلين السياسيين والنقابيين والإعلاميين وغيرهم في موقع “المتفرج” (كان يمكن على الأقل أن يُجلس خلفه رئيس الحكومة وشركاءه في “حكومة الوحدة الوطنية، لكنّ “الخيال السياسي” للزعيم وفريقه يعجز عن ذلك). إننا أمام مشهد تُدفع فيه كل الصراعات والتحالفات والأيديولوجيات والجهويات إلى الخلفية، ليحتل “الزعيم” منفردا الركح بينما “الجموع” واجمة تستمع إليه في انتباه شديد. ولكنّ هندسة فضاء “الجموع” ذاتها خضعت لإرادة “الزعيم” واستراتيجياته التواصلية، فقد احتل الصف الأول أهم الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والنقابيين، وأُجلس الشيخ راشد إلى جانب الابن المدلل حافظ السبسي في رسالة سياسية واضحة.

لقد كان الأهم في المشهد هو جلوس “رئيس الحكومة” بين الجموع ليخاطبه الرئيس في خطأ تعبيري دال بـ”السيد الوزير الأول”، (فما هو في الحقيقة إلا وزير أول عند الباجي قائد السبسي الذي لم يُخف أبدا تفضيله النظام الرئاسي عن النظام البرلماني المعدّل). في هذا “الحدث الوطني” الذي شغل كل التونسيين بصرف النظر عن طبيعة موقفهم من الباجي قائد السبسي، امّحت كل الصفات والألقاب والمطامع – على الأقل إلى حين- ولم يبق إلاّ صفة واحدة تهيمن على المشهد (لتذكّرنا بمتناقضات الحقل السياسي التونسي وأزمته)، صفة رئيس الدولة باعتباره “مركز السلطة” في نظام يفترض فيه توزيع السلطات بصورة تمنع وجود هذا المشهد ذاته.

فماذا قال الباجي قائد السبسي في خطابه “التاريخي”، وما هو الجديد الذى حمله لتجاوز الأزمة البنيوية والوظيفية التي تمر بها المنظومة الحاكمة، وهل يمكننا انطلاقا من هذا الخطاب أن نعتبر الباجي “رئيس كل التونسيين” (وجزءا من الحل)، أم إنه كان (كعادته دائما) جزءا من المشكل؛ أي “رئيس بعض التونسيين” من المحظوظين الذين لا تحضر الدولة إلا لحماية مصالحهم وامتيازاتهم، ولا تُستدعى مفاهيم “الهيبة” و”علوية القانون” و”المصلحة الوطنية” إلا لضرب كل خطاب/تحرّك يهدف إلى مواجهتهم، باعتبارهم النواة الصلبة لمنظومة الفساد التي تحوّلت في عهد المخلوع إلى “سياسة دولة”، يحاول الباجي إعادة إنتاجها والدفاع عن رموزها بكل ما أوتي من سلطة؟ ذاك هو ما سنحاول الإجابة عنه في الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله.