انتخابات الرئاسة الأميركية تدفع الحزب الجمهوري إلى حافة الفوضى

مع احتدام المنافسات في الانتخابات الحزبية التمهيدية الأميركية لمرشحي الرئاسة وتصاعد حدة الاستقطاب السياسي بين الحزبين الكبيرين وداخلهما، وبخاصة داخل الحزب الجمهوري، تقف الولايات المتحدة على عتبة مرحلةٍ جديدةٍ قد تعيد صوغ المشهد السياسي الأميركي، بما في ذلك هيمنة نظام الحزبين على السباق الانتخابي. وفي ظل تنامي نبرة الخطاب العنصري الذي يطلقه المرشح الجمهوري الأبرز، دونالد ترامب، وردود الفعل عليه، بما في ذلك وقوع صدامات عنيفة بين أنصاره وخصومه، يتعرّض النسيج الاجتماعي والسياسي الأميركي لتحدٍ غير مسبوقٍ، ويبرز معه تساؤلٌ كبيرٌ حول إن كانت أميركا أمام حالةٍ سياسيةٍ جديدةٍ يتبلّور فيها معسكران: حزبٌ جمهوري أكثر راديكالية ويعاني تمرد قواعده الأكثر يمينية على “مؤسسة الحزب” التقليدية، وآخرُ أكثر يسارية يمثله خطاب المرشح بيرني ساندرز في الحزب الديمقراطي.

صراعات الجمهوريين

يشهد الحزب الجمهوري حالةَ صراعٍ مريرةٍ بين مؤسسة الحزب ونخبه الحاكمة من جهة، وبين شريحةٍ واسعة من قاعدته الانتخابية من جهة ثانية، وتشمل خصوصًا الرجال البيض من غير فئة الشباب، غالبًا، الحانقين والغاضبين تجاه أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمثلهم عملاق العقارات دونالد ترامب، الذي يستغلّ هذا الغضب ويجيّره لخدمة حملته الانتخابية. ويبدو واضحًا أنّ “مؤسسة الحزب” Establishment قد فوجئت بصعود ترامب في الانتخابات التمهيدية، خصوصًا أنّ أحدًا لم يأخذ ترشّحه على محمل الجدِّ عند إعلانه في حزيران/ يونيو 2015. والواقع أنّ تمرّد القاعدة البيضاء، التي تتناقص نسبتها بين السكان، والأكثر يمينية داخل الحزب، على ما تراه “خيانة” القيادة لها، سواء عبر عقد صفقات مع إدارة الرئيس باراك أوباما، كما في موضوع الميزانية العامة، أو عجزها عن عرقلة أجندته في موضوعات الضرائب وبرنامج الرعاية الصحية والمهاجرين وتعريف الزواج، قد أسقط “المرشح المفترض” للحزب، وهو جيب بوش، حاكم ولاية فلوريدا السابق.

وعلى الرغم من العديد من المواقف التي اتخذها ترامب والقائمة على الأفكار المسبقة عن الآخر والعنصرية المنتشرة في بعض الأوساط، والتي كانت كفيلةً في ما مضى بإسقاط أيّ مرشحٍ آخر، مثل إساءاته لذوي الأصول اللاتينية، والنساء، والمسلمين، والمعاقين جسديًا، ولرموز في الحزب الجمهوري كالرئيس السابق جورج بوش الابن، وعضو مجلس الشيوخ جون ماكين، فإنّ ما حصل هو عكس ذلك. فمع كل موقفٍ جدلي اتخذه ترامب، أو تصريحٍ مسيء أطلقه، كان يرتفع مستوى التأييد له في القاعدة الجمهورية، في حين راقبت “مؤسسة الحزب” بفزع تساقط المرشحين المحسوبين عليها واحدًا تلو الآخر مثل جيب بوش، وكريس كريستي حاكم ولاية نيوجرسي السابق، وليندزي غراهام عضو مجلس الشيوخ عن ولاية جنوب كارولاينا، وماركو روبيو عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا.

وتصارع مؤسسة الحزب اليوم لإيجاد مرشحٍ من أوساطها لهزيمة ترامب. ولكن بعد إجراء ثلاثين انتخاباتٍ تمهيدية (حتى الخامس عشر من آذار/ مارس)، اتضح أن ترامب فاز بتسعة عشر منها، وقد تكون عشرين في حال حسمت نتيجة انتخابات ولاية ميزوري التي جرت في الخامس عشر من آذار/مارس لمصلحته. ولدى ترامب الآن 683 مندوبًا على الأقل من أصل 1237 يحتاج إليهم لنيل ترشيح حزبه في مؤتمره الوطني في مدينة كليفلاند/ أوهايو في تموز/ يوليو القادم. في حين أنّ المرشح التالي المنافس له، تيد كروز عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، لم يحصل إلا على 421 مندوبًا حتى تاريخه، فيما لم يحصل جون كيسيك حاكم ولاية أوهايو إلا على 145 مندوبًا فقط[1].

وعند أخذ ميول الولايات المتبقية في الانتخابات التمهيدية وتوزيعاتها السكانية ونوعياتهم في الاعتبار، فإنّ ترامب قد يحصل على ما يحتاجه من مندوبين لنيل ترشيح الحزب[2]، وهو كابوس للحزب الجمهوري الذي ربما يدفع ثمن ذلك غاليًا في الانتخابات العامة القادمة أواخر هذه السنة، ليس الرئاسية فحسب، وإنما انتخابات الكونغرس أيضًا أو على الأقل أحد مجلسيه، وتحديدًا مجلس الشيوخ، وذلك إذا ما صوّت المستقلون والأقليات والنساء ضد ترامب والجمهوريين، وهو أمر مرجح جدًا في ظل تصريحات ترامب المعادية لهم. والأخطر من ذلك، أنّ الضرر الذي قد يلحق بالحزب الجمهوري وصورته، خصوصًا في ما يتعلق بالعنصرية، قد يكون ضررًا دائمًا يتجاوز هذه الدورة الانتخابية.

خيارات أحلاها مرّ

أمام هذا الوضع الصعب، تداعى قادة الحزب الجمهوري مرارًا في محاولةٍ لإيجاد طريقةٍ للتخلص من الكابوس المحتمل بأن يكون ترامب مرشحهم في الانتخابات القادمة. وعلى الرغم من اجتماعات كثيرة، فإنّ معضلة الجمهوريين لم تخرج بعد بتصورٍ واضحٍ، إذ إنّ المؤسسة نفسها أصبحت الآن منقسمة على نفسها. وضمن هذا السياق، تمّ طرح خيارات عدة، أهمها:

أولًا: دعم كروز كمرشحٍ عن “مؤسسة الحزب”

ترى شريحة من النخبة النافذة في الحزب أنّ أفضل طريقةٍ لإيقاف ترامب “الشعبوي” هو دعم كروز اليميني الأيديولوجي “المتطرف”، والذي لا تُكنّ له مؤسسة الحزب أي ودٍ، خصوصًا أنه استعداها على الدوام. وقد عبّر ليندزي غراهام عن مرارة الاختيار بين ترامب وكروز بوصفه اختيارًا بين الموت “بالرصاص أو بِالسُّمِّ”. ولكن مع التقدم الكبير الذي يحققه ترامب يجد نفسه مضطرًا اليوم إلى اختيار الموت بـ “سُمِّ” كروز على الموت بـ “رصاص” ترامب[3]. كما أنّ المرشح الجمهوري الرئاسي لعام 2012، ميت رومني، أعلن دعمه لكروز ودعا ناخبي ولاية يوتا ذات الأغلبية المورمونية، وهي الطائفة الدينية التي ينتمي إليها رومني، إلى التصويت له في انتخابات 22 آذار/ مارس[4].

ومع ذلك، فإنّ مؤسسة الحزب لا تبدو موحّدة وراء هذا الخيار، فإذا كان ترامب هو “العدو” المعلن لمؤسسة الحزب الجمهوري، فإنّ ذلك لا يجعل كروز خيارًا أفضل، سواء لناحية تطرف مواقفه الإيديولوجية والسياسية، خصوصًا أنه ابن حركة التمرد داخل الحزب المعروفة بـ “حزب الشاي”، أو لناحية شخصيته المنفّرة إلى الحد الذي لم يجد شخصًا واحدًا من زملائه الجمهوريين في مجلس الشيوخ يعلن استعداده لدعمه، إلا السناتور من ولاية يوتا مايك لي، والذي لم يعلن دعمه إلا في 10 آذار/ مارس بعد أن بدا أنه لم يبق سواه لوقف ترامب[5]. ويوصف كروز من أعضاء حزبه وزملائه في مجلس الشيوخ بـ “الكاذب”[6]. ولم يفضِ اجتماع عقده قادة في الحزب الجمهوري في 17 آذار/ مارس في واشنطن إلى اتفاق على التوحّد خلف كروز، واكتفى المجتمعون بمناشدة كروز وكيسيك بتجنّب المنافسة بينهما في الولايات التي يكون فيها أحدهما أقوى انتخابيًا، وذلك بهدف منع ترامب من الاستفادة من تقسيم الأصوات بينهما[7].

وتجادل الفئة التي ترى ضرورة دعم كروز مقابل ترامب، أنّ كروز أقرب حسابيًا إلى إمكانية نيل ترشيح الحزب إن قدّم أداءً جيدًا في ما تبقى من انتخابات تمهيدية، خصوصًا أنه لا يفصله عن ترامب سوى 250 مندوبًا. وحسب منطق هؤلاء، فإنه إن فاز كروز بعددٍ أكبر من المندوبين قبل المؤتمر الوطني للحزب، وحتى إن لم يحصل على العدد المطلوب للحصول على ترشيح الحزب (1237)، فإنه حينها يمكن حسم الترشيح لكروز عبر المؤتمر بما يعرف بـ Brokered Convention، وذلك عبر إقناع مندوبي المرشحين المنسحبين، مثل بوش وربيو، بالتصويت لمصلحته[8].

ثانيًا: الدفع بمرشحٍ آخر في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري

ثمة خيارٌ ثانٍ يجري تداوله في قيادة الحزب، وهو استكمالٌ للسيناريو السابق؛ ويقوم على محاولة حرمان ترامب من الحصول على عدد المندوبين (1237) الذي يؤهله ليكون مرشح الحزب، وذلك عبر إبقاء جون كيسيك في السباق الانتخابي إلى جانب كروز وترامب، ومن ثمّ تشتيت الأصوات بين المرشحين الثلاثة، والذهاب إلى المؤتمر الوطني للحزب، من دون امتلاك أي منهم عدد المندوبين المطلوب، وحسم الأمر هناك عبر صفقات ومناورات حزبية. ويبدو أنّ هذا هو بالضبط ما يراهن عليه معسكر كيسيك، الذي يرى أنّ لديه فرصة في أن يكون هو مرشح الحزب في المؤتمر الوطني، ذلك أنه محسوب على مؤسسة الحزب[9]، كما أنّ استطلاعات الرأي تعطيه أفضلية في الانتخابات العامة أمام المرشحة الديمقراطية “المفترضة” هيلاري كلينتون[10]. غير أنه لا يوجد ضمان بأنّ كيسيك سيكون مرشح المؤسسة؛ إذ إنّ ثمة من يحاول الدفع بمرشحٍ خارجي بدل المتنافسين الحاليين، في حال حصل الحسم في المؤتمر الوطني. وفي هذا السياق، يُطرح اسمي ميت رومني[11]، ورئيس مجلس النواب الحالي بول رايان[12].

وعلى الرغم من أنّ هذا الخيار قائم، ويجري تداوله بقوة، فإنّ ثمة عاملين قد يعوقان طريقه: الأول، أنه سيكون من الصعب تبرير عدم تسمية ترامب أو حتى كروز كمرشحين، في حال فوز أحدهما بأغلبية أعداد المندوبين، حتى إن لم يحصلا على العدد المطلوب، بينما يجري ترشيح طرفٍ ثالث. والثاني، إنّ حصول مثل هذا الأمر قد يؤدي إلى أعمال شغبٍ في المؤتمر، على أساس أنّ هذه خطوة غير ديمقراطية وتسرق الانتخابات التمهيدية من القواعد، وهو الأمر الذي هدّد به ترامب[13]، وربما يؤدي إلى انقسام الحزب الجمهوري وانشطاره بين تيارٍ وسطي (المؤسسة التقليدية)، ويميني شعبوي تمثله القاعدة الانتخابية التي تدفع بترامب.

ثالثًا: حزب ثالث

في ضوء واقع الصراع في الحزب الجمهوري، ثمة داخل “مؤسسة الحزب” اليوم من يطرح خيار تشكيل حزبٍ ثالثٍ يُقَدَّمُ من خلاله مرشحٌ محسوبٌ على “مؤسسة الحزب”، ويمثل غطاءً للمترشحين لانتخابات الكونغرس في الوقت ذاته، ثمَّ يعودون بعد الانتخابات إلى الانضواء تحت راية الحزب الجمهوري. وتقوم حجة هؤلاء – ومن ضمنهم السيناتور عن ولاية نبراسكا بن ساسي، وحاكم ولاية ماساتشوستس شارلي باركر، والكاتب المحافظ وليام كريستول – أنّ ترامب سيقود الحزب إلى هزيمة ساحقة في الانتخابات العامة أمام المرشحة الديمقراطية “المفترضة” كلينتون، بسبب خطابه الذي استعدى الأقليات عمومًا[14]، وبأنّ ترشّحه سيُلحق ضررًا كبيرًا بمرشحي الحزب في انتخابات الكونغرس. ويبدو أنّ رومني يميل إلى هذا الخيار في حال كان ترامب هو مرشح الحزب الجمهوري؛ إذ أعلن أنه إذا كان الخيار في الانتخابات العامة بين ترامب وكلينتون، فإنه سيكون أكثر ميلًا للتصويت لمرشحٍ ثالث[15].

وحسب مذكرة أعدّها وليام كريستول، فإنه يمكن تسجيل المرشح الثالث في أغلبية الولايات الأميركية، أما إذا كان قد فات الأوان على ذلك، فحينها يمكن أن يسعوا إلى الترشّح عبر “الحزب الليبرتاري” Libertarian Party، المُسجَّل فعليًا للانتخابات الرئاسية في أغلب الولايات الأميركية الخمسين. ويطرح هؤلاء عددًا من الأسماء لمرشحيهم لمنصب الرئاسة، مثل عضو مجلس الشيوخ السابق عن الحزب الجمهوري عن ولاية إنديانا توم كوبورن، أو حاكم ولاية تكساس السابق ريك بيري، وهم يطمحون، في حال كان بيري هو المرشح، أن يحرم ترامب الفوز بولاية تكساس[16]؛ ما قد يحرمه الفوز بانتخابات الرئاسة، ومن ثمّ الإعداد لانتخابات عام 2020 بعيدًا عن شبح ترامب.

خاتمة

على الرغم من كل محاولات إطاحة ترامب، أو حتى الدفع باتجاه إفشاله في الانتخابات العامة، إن كان هو مرشح الحزب، فلا يعني ذلك أنّ فرصه في الفوز بانتخابات الرئاسة معدومة. صحيحٌ أنه سيكون من الصعب عليه الظفر بها إذا ما نظرنا إلى انقسام حزبه حوله، وإلى استعدائه لكتلٍ تصويتية كبيرة مثل اللاتينيين والمسلمين والنساء، وربما المستقلين، فإنه، من جهة أخرى، استطاع أن يحشد شرائح أخرى غاضبة من المجتمع، بما في ذلك من الديمقراطيين، ولا يُستبعد أن يتمكّن من تحقيق فوزٍ مفاجئ. يدرك الديمقراطيون هذا المعطى، مما دفعهم إلى التداعي لبحث وقف الزخم “الشعبوي” الذي يمثله ترامب، على أساس أنه يمثل “خطرًا وجوديًا على الحركة التقدمية والأمة” الأميركية[17]. إنّ الديمقراطيين، كما الجمهوريين، يجدون أنفسهم أمام كابوس حقيقي[18]، فهم لا يزالون عاجزين عن توحيد صفوفهم خلف مرشح قوي واحد استعدادًا لمواجهة محتملة مع ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم. ففي حين تبدو كلينتون المرشح الأوفر حظًا للفوز بتسمية حزبها لها للرئاسة، فإنّ نسبةً كبيرةً بين القواعد الليبرالية والتقدمية للحزب الديمقراطي ترى في ساندرز “الترياق” الأكثر نجاعة لخطاب “الكراهية” الذي يوظفه ترامب[19]. باختصار، لا يقف الحزبان الجمهوري والديمقراطي فحسب على مفترق طرق، بل إنّ أميركا نفسها أيضًا بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة في شتاء 2016.