فتحي الساعي : الإصلاح التّربويّ قيم الجمهوريّة الثّانية مدخلا

لئن تعدّدت أبعاد أزمة المنظومة التّربويّة التّعليميّة التّونسيّة، فإنّ أعمقها غورا البعد القيميّ الّذي لا تستقيم أيّة عمليّة إصلاحيّة دون أخذه على محمل الاعتبار. وما انحصرت أزمة القيم في عنصر أو أكثر من المنظومة، بل طالت كلّ مكوّناتها بدءا بمراكز صنع القرار السّياسيّ ومرورا بمختلف مستويات الأجهزة الإداريّة والأطر البيداغوجيّة وانتهاء بالمباشرين الميدانيّين للفعل التّربويّ التّعليميّ. ولا تعدو هذه الأزمة الشّاملة، في الواقع، كونها مآلا لمسار طويل من الدّولنة المفرطة في إدارة هذا القطاع بمنأى عن نبض المجتمع، إذ انفرد فصيل سياسيّ بمسك زمام الدّولة، وفرض عبرها مشروعه الحضاريّ الخاصّ على نحو فوقيّ، متّخذا من المدرسة محرّكا لرحى «تحديث اجتماعيّ» قسريّ على مقاسه، قوامه الانتقائيّة في مستوى القيم.
ومن أظهر تجلّيات الأزمة القيميّة الّتي تشهدها المدرسة التّونسيّة ضمور حبّ المعرفة بصفتها قيمة في حدّ ذاتها وغياب روح المسؤوليّة وضعف الحسّ المواطنيّ. ولا يسع أيّة منظومة تربويّة تعليميّة مهما تكن جودة مقوّماتها التّقنيّة أن تفرز مخرجات على غير هذه الحال في ظلّ انعدام حقوق أساسيّة تنبني عليها علاقاتها ومضامينها، ولعلّ اتّخاذ القيم الأربع (حرّيّة كرامة عدالة نظام) شعارا للجمهوريّة الثّانية يعكس حدّة الشّعور بوجع فقدان تلك الحقوق والحاجة الملحّة إليها لتحقيق الشّهود الحضاريّ المنشود الّذي يمثّل النّهوض بالتّربية والتّعليم رافده الرّئيسيّ.
وليست الأزمة القيميّة الّتي تنخر المنظومة التّربويّة التّعليميّة التّونسيّة بمعزل عن أزمة المجتمع برمّته على صعيد القيم، وشعارات الثّورة الدّائرة رحاها على الحرّيّة والكرامة الوطنيّة كانت أجلى تعبير عن وعي شريحة واسعة من الشّعب التّونسيّ باستفحالها. بيد أنّ هذا الوعي مشوب باستقطاب إيديولوجيّ يتردّد صداه في مواجهة إشكاليّة الإصلاح التّربويّ التّعليميّ، فبينما يدور خطاب شقّ من المهتمّين بهذه الإشكاليّة على “مدرسة الجمهوريّة”، مثيرا بذلك شبهات في مقدّمتها اللاّئكيّة المعادية للدّين والفرنكفونيّة التّغريبيّة والحداثة المنبتّة، يتمسّك شقّ آخر بإعادة إحياء المدرسة الزّيتونيّة، لكن دون أن يبلغ به الأمر إلى طرحها بمثابة بديل لمنظومة التّعليم الرّسميّ، وتتعلّق بهذا المنوال أيضا جملة من الشّبهات، على رأسها الرّجعيّة والتّنكّر للقيم المدنيّة المشتركة.
وقد يكون فضلا من الكلام القول إنّ صراع المناويل هذا عائد إلى تباين المرجعيّات، ففي حين يستند دعاة المنوال الجمهوريّ إلى المواثيق الدّوليّة بما هي تنزيل للقيم الكونيّة، يتّخذ أنصار المنوال الزّيتونيّ من الإرث الحضاريّ الخصوصيّ منطلقا لهم في مسعاهم الإحيائيّ، على اعتباره حاملا للقيم الملائمة لطبيعة المجتمع. ولعلّ توفّر إطار مرجعيّ يحظى بقدر عال من الإجماع الوطنيّ يمثّل خير مخرج من مأزق المرجعيّات في سبيل إقامة منوال تربويّ تعليميّ مقبول لدى شركاء الوطن كافّة.
ليس أجدر من الدّستور بأن يكون الإطار المرجعيّ للتّفكير في الإصلاح التّربويّ التّعليميّ، إذ يتّسم بخصيصتين تبوّئانه هذه الجدارة:
• إحداهما راهنيّته، فهو وليد اللّحظة بآمالها وآلامها، ويُفترض كونه حاملا لأشواق التّونسيّين الآن وهنا، على اختلاف توجّهاتهم السّياسيّة ومشاربهم الفكريّة
• وثانيتهما تمثيليّته، فإنّه حصيلة مخاض تشاركيّ عسير، التقت في خضمّه قوى المجتمع الحيّة، وصادقت على جملة من المشتركات بأغلبيّة منقطعة النّظير
لقد استوعب الدّستور مختلف المشاريع الحضاريّة في صيغ اصطلح السّياسيّون على وصفها بالتّوافقيّة، ولا يعدو هذا الوصف كونه ترجمة سياسيّة لفكرة البحث عن المشترك الجامع بين الشّركاء في الوطن، وتشكّل المشترك دستوريّا في نسيج مركّب تُفهم مقاصده بقراءته على أساس تكامليّ وفق الفصل السّادس والأربعين ومائة (146) الّذي ينصّ على أن «تُفسَّر أحكام الدّستور ويؤوّل بعضها البعض كوحدة منسجمة»، فليس من المتاح فهم القيم الأربع الكبرى المنصوص عليها في الفصل الرّابع، مثلا، بمنأى عن محتوى الفصل الأوّل: «تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها»، ولا بمعزل عن مضمون الفصل الثّاني: «تونس دولة مدنيّة، تقوم على المواطنة، وإرادة الشّعب، وعلويّة القانون».
لقد أثبت المخاض الدّستوريّ التّشاركيّ أنّ مجال المشترك القيميّ بين التّونسيّين يتّسع على قدر توفّر إرادة التّفاعل الخلاّق، فبتوفّرها أفضى ذلك المخاض إلى مُخرَجات غير تقليديّة، كان من أهمّها تبنّي القيم الكونيّة، ولاسيّما قيم حقوق الإنسان، في إطار الخصوصيّة الوطنيّة. وهذه الرّوح التّشاركيّة الّتي شيّدت نصّ الدّستور لبنة لبنة تمثّل أرضيّة صلبة صالحة لأن تكون مستندا لإقامة مشروع تربويّ تعليميّ وطنيّ لا يستهين بالمنجَز الإنسانيّ في مجال فلسفة القيم ولا يقلب ظهر المجنّ للخصوصيّة الوطنيّة، على أن يتمّ الأمر ضمن مقاربة منظوميّة عمادها نسق قيميّ يسيّر، بطريقة مؤسّسيّة، الشّأن التّربويّ التّعليميّ برمّته.
وليس أصلح لأن يكون قطب رحى ذلك النّسق القيميّ من المبادئ الأربعة الكبرى الّتي تؤلّف شعار الجمهوريّة الثّانية، فهي بصفتها هذه مبادئ مركزيّة تتحدّد على ضوئها غائيّات الإصلاح ومناهجه ومضامينه، وبالنّسبة إليها يتمّ ضبط معايير الجودة في ميدان التّربية والتّعليم، بحيث لا يُعتبَر جيّدا ما لا يصبّ في مجرى الحرّيّة والكرامة والعدالة والنّظام من آليّات التّسيير الإداريّ والطّرائق البيداغوجيّة وبرامج الموادّ الدّراسيّة ومحتويات الكتب المدرسيّة ومكوّنات البيئة التّربويّة التّعليميّة. وأحرى بألاّ يُعتبَر كذلك كلّ تصوّر إصلاحيّ يُفرض على المجتمع فرضا عبر حوار مجتمعيّ صوريّ تحدِّد مسارَه ونتائجَه مُسبَقا أقلّيّةٌ متنفّذةٌ بفعل المناخ السّياسيّ الّذي لم يزل سائدا طوال عقود من الزّمن.
من مقتضيات قيم الجمهوريّة الثّانية أن تسود روح تشاركيّة حقيقيّة لا تستثني أيّ طرف من المجتمعين السّياسيّ والمدنيّ في إعداد خارطة طريق الحوار المجتمعيّ حول الإصلاح التّربويّ وفي إدارة الحوار نفسه، على ألاّ يُوجَّه إلى ما ينافي فصول الدّستور، ولاسيّما الفصول ذات الصّلة المباشرة بالشّأن التّربويّ التّعليميّ. وفي هذا الإطار تتنزّل مسألة التّعريب بمفهومه الحضاريّ الواسع، فهو من لوازم الحرّيّة والكرامة والعدالة، فضلا عن كونه وعاء الخصوصيّة الوطنيّة على ما يفيد الفصل التّاسع والثّلاثون خصوصا من دستور الجمهوريّة الثّانية.
إنّ التّوسّل بقيم الجمهوريّة الثّانية مدخلا إلى الإصلاح التّربويّ يفتح آفاقا واسعة نحو مدرسة تونسيّة حرّة ذات سيادة قوامها العدالة والنّظام، تحقّق رهانَ بناءِ مواطنٍ تونسيّ حرّ كريم مسؤول، متأصّلٍ في هويّته الوطنيّة معتزٍّ بخصوصيّتها، يستلهم انطلاقا منها مكتسبات الفكر الإنسانيّ في مجالات المعرفة كافّة، متملّكٍ لكفاءة التّعبير عن عالميه الذّاتيّ والموضوعيّ، مقتدرٍ على الإبداع التّقنيّ والجماليّ اقتدارا يؤهّل المشروع الوطنيّ التّونسيّ لأن يكون مساهما فعّالا في إثراء الحضارة الإنسانيّة. إلاّ أنّ تحقيق هذه المرامي السّامية رهين تنزّل تلك القيم عموديّا وأفقيّا صلب المنظومة التّربويّة التّعليميّة، ابتداء بسلطة الإشراف عليها، ومرورا بقانونها التّوجيهيّ وقوانينها الإجرائيّة وبناها التّحتيّة وأجهزتها الإداريّة والبيداغوجيّة والبرامجيّة، وانتهاء بالمتمدرس عينه، في سياق مشروع وطنيّ شامل ينهض بالإنسان التّونسيّ معنويّا ومادّيّا.