عادل بن عبد الله : “نسمة غايت” أو اللحظة المافيوزية في الانفلات الإعلامي

عندما نرى من قامت الثورة ضدهم يتصدرون المشهد العام ويزايدون على ضحاياهم، بل يُتفّهون أوجاعهم ويُسفهون أحلامهم، عندما نرى أغلب الوسائل الإعلامية تشتغل بمنطق ارتكاسي لا علاقة له باستحقاقات الثورة وانتظارات المستضعفين والمقهورين، يدهمنا شعور عميق بأنّ “بكائياتنا” على الأحداث “الصغرى” التي نتجت عن فشل القوى الوطنية والإسلامية في إدارة المراحل الانتقالية ضمن أفق ثوري (أو على الأقل ضمن أفقي إصلاحي حقيقي)، شعور مرّ بأنّ تلك البكائيات ليست إلاّ ضربا من “اللطميات” التي لن تستطيع التكفير عن ذنوب “كبرى” اقترفتها أغلب النخب التي كان من المفروض أن تكون القيّمة والمستأمنة على الثورة واستحقاقاتها.

كنا نستطيع أن نسمي هذا المقال بـ”الثورة غايت” أو “الهايكا غايت” أو”الإعلام غايت” أو بغير ذلك من العناوين ذات القدرة الاستبدالية العالية. ففضيحة قناة نسمة الخاصة (وهي قناة تلفزيّة مرخّص لها من عهد المخلوع وذات ارتباطات سياسية معلومة بورثة “التجمع” المنحلّ في نداء تونس) ليست فضيحة قناة فقط، وليست “فقط” فضيحة نقابة الصحافيين أو فضيحة “الهايكا” (التي هي دستوريا الجهة المتكفلة بـ”بتعديل المشهد الإعلامي وتنظيمه خلال فترة الانتقال الديمقراطي والاستعداد للمواعيد الانتخابيّة المقبلة. كما تسعى إلى نشر ثقافة تعديليّة لإرساء استقلاليّة وسائل الإعلام عن كلّ السلط السياسيّة والماليّة (….)”، بل هي فضيحة “ثورة” بأكملها، ثورة عجزت عن خلق رموزها وأساطيرها التأسيسية، بل عجزت حتى عن بناء سرديتها الخاصة والتحرك بها بعيدا عن الرأسمال البشري المرتبط وظيفيا وبنيويا بالمنظومة النوفمبرية التي قامت عليها الثورة.

يمكننا اعتبار “الأخوين القروي” وكل البرجوازية المسيطرة على الإعلام الخاص (مسنودة بالبيروقراطية العليا المتحكمة في الملف الإعلامي) “جماعةً وظيفية” أوكلت لها النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة قبل الثورة دورا مركزيا في تشكيل الرأي العام وفقا لمصالحها المادية والرمزية، كما أوكلت لها مهمة الترويج للوضع القائم(في الداخل والخارج) باعتباره حتمية أو باعتباره أفضل الممكنات. أما بعد الثورة فقد أوكلت لها المنظومة الحاكمة مهمة الالتفاف على المسار الثوري وحرف الصراع عن مداراته المجتمعية الحقيقية (صراع الإسلاميين والعلمانيين ضد النظام السابق وخياراته ورموزه وسياساته التحديثية الفاشلة) إلى مدارات هووية بائسة ( صراع العلمانيين- خاصةً بعد أن أصبح “التجمعيون” جزءا من عائلتهم الديمقراطية”- ضد الإسلاميين وذلك للدفاع عن أساطير “النمط المجتمعي التونسي” في مواجهة خطر”الإسلام السياسي” بمختلف تشكيلاته).

بعد 14 يناير/ جانفي 2011، وبعد أن توافقت النخب السياسية والنقابية على إدارة الثورة بمنطق “استمرارية الدولة”- ممّا يعني واقعيا الاحتكام إلى تشريعات نظام المخلوع الموضوعة أساسا لحمايته هو وكلاب حراسته الأمنية والإيديولوجية-، عمد الإعلام “الخاص”- رغم عنترياته الثورجية الكاذبة خاصة في فترة حكم الترويكا- إلى تأكيد جلّ ارتباطاته السلطوية التي سبقت الربيع العربي، وذلك لضمان عدم المحاسبة على علاقاته المشبوهة بالنظام “السابق”، ثم للاستفادة “البراغماتية” من القضايا السياسية والثقافية العامّة وتحويلها الى “رأسمال ماديّ” لمالكي القنوات الخاصة، وإلى رأسمال رمزي لحلفائهم من ورثة نظام المخلوع.

إثر تأسيس “الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري” (ومنحها وضعية الهيئة الدستورية ذات السلطات التعديلية والتقريرية الكبرى) كان من المفترض أن يتخلّص الإعلام من “التدخل الحكومي” ومن أصحاب المال في الخط التحريري، ولكنّ ما حصل واقعيا في القطاع الإعلامي هو تكريس التداخل الخطير واللاّوظيفي ( في المستوى الأخلاقي وفي مستوى الانتقال الديمقراطي) بين السياسة و”المال المشبوه” خاصةً في الإعلام الخاص -أمّا الإعلام العمومي فقد بقي خاضعا للّوبيات الايديولوجية والشبكات الزبونية التي كانت مهيمنة عليه في عهد المخلوع-.

لقد عجزت “الهايكا” وكل الجهات المتدخلة في القطاع الإعلامي ( وخاصة نقابة الصحفيين)عن فك الارتباط بين الإعلام الخاص وبين جملة من اللوبيات المالية والسياسية المعروفة التي أصبحت المتحكم الأساسي في الحراك الفكري والسياسي العام وكذلك في مسار الانتقال الديمقراطي بأزماته وانفراجاته الحقيقية والمتخيلة. وبحكم حجم الأموال التي ضُخّت في القطاع الإعلامي الخاص، وبحكم غياب المنافسة الجادة من قطاع الإعلام العمومي، أصبحت المنابر الإعلامية الخاصة (سواء أكانت مرئية أم مسموعة أم مقروءة) هي المتحكم الأهم في التوجهات الكبرى للرأي العام ولنوايا التصويت عند القواعد الانتخابية المختلفة.

بفعل تواطؤ الجهاز التنفيذي ومراكز النفوذ في الإدارة العميقة للدولة، وبفعل التحيز الإيديولوجي والسياسي الذي يفسّر جزئيا سلبية”الهايكا” في مواجهة مظاهر الانحراف في أداء وسائل الإعلام الخاصة – بالتحديد في فترة الترويكا وخلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة-، أصبح لتلك المنابر الإعلامية من القوة والحصانة واللوبيات ما جعلها تتجاوز المفهوم التقليدي للسلطة الرابعة إلى مفهوم “السلطة المتعالية” التي تتحكم في سائر السلطات الأخرى أو على الأقل تتمرد على قراراتها عندما تهدد مصالح مالكيها ومن يقف خلفهم في اللوبيات المالية والجهوية والأمنية.

يعكس التسريب الصوتي الأخير المنسوب إلى نبيل القروي (أحد مالكي قناة نسمة) جملة من الحقائق التي علينا التعامل معها عند مقاربة المسألة الإعلامية بعيدا عن منطق الرغبة. في “الفضيحة الأولى”، يتحدث السيد القروي عن “لحظة ثانية” في استراتيجيات الشيطنة والتأثيم التي تستهدف جملة من الجمعيات المدنية. وهي استراتيجيات يغترف المتحدث في التسجيل (بحكم إنكار القروي أن يكون هو صاحب الصوت) بأنه استهدف في مرحلة أولى الجمعيات الخيرية الإسلامية من خلال ربطها بتمويل الإرهاب أو محاولات أسلمة الدولة. ثم يطلب من “منظوريه” الانتقال في هذه المرحلة إلى استهداف جزء آخر من مكوّنات المشهد الجمعياتي المهتم بالشفافية والرقابة(جمعية “أنا يقظ” I WATCH ) وذلك باتهامها بالعمالة، بل وصل به الأمر إلى سلوك مافيوزي تمثل في “طلب” تلفيق تهم أخلاقية للمشرفين على الجمعية لتشويههم وضرب مصداقيتهم.

أمّا “الفضيحة الثانية” التي جاءت في التسريب الصوتي فهي قبول الصحافيين بـ”التدجين” وبتوظيفهم خارج ضوابط المهنة الأخلاقية خدمة لمصالح مشغّلهم. ولا شكّ في أنّ سلبية الكثير من الإعلاميين و”قابليتهم” للتوظيف ليست معطى جديدا، بل هي أقرب إلى الثابت البنيوي في أدائهم خلال مختلف المراحل التي مرت بها تونس بعد الثورة. وهو ما يجعلنا أمام المعنى الحقيقي لمعنى الدفاع عن “الخط التحريري”، كما يعطينا (بأثر رجعي) فكرة عامةً عن مقدار التلاعب والتزييف الذي مورس على الرأي العام في العديد من القضايا والمحطات المفصلية خاصةً خلال فترة الترويكا وفترة الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة التي عرفت تجييشا إعلاميا ضد النهضة والرئيس المنتهية ولايته (محمد منصف المرزوقي) بصورة عجزت الهايكا (أو أحجمت) عن التصدي لها بصورة صارمة.

ولعلّ “الفضيحة الثالثة” هي الأهم في مستوى تعبيرها عن أزمة تشريعية تتجاوز قناة نسمة وتشمل كل الفاعلين في القطاع الإعلامي. فقد أظهر التسجيل وعي نبيل القروي بالانعكاسات القانونية لما سيقوم به الإعلاميون “المكلفون بمهمة”(مهمة تشويه منظمة “أنا يقظ”) ولكنه أبدى لامبالاة كبيرة تجاه ذلك نظرا لانحصار العقاب في غرامة مالية تافهة وغياب أي ردع سجني(رغم دخول فعلته إن ثبتت تحت طائلة الثلب والادعاء بالباطل وغير ذلك). ولا شك في أنّ “ثقة” المتحدث في التسريب في “سقف” مسار التقاضي تتأسس على قراءة موضوعية للترسانة التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي من جهة أولى، وعلى وعي بتوفّره -من جهة ثانية- على “حصانة” تجعل خصومه في منظمة “أنا يقظ” عاجزين عن تغيير مسار التقاضي ومآلاته المرتقبة.

أخيرا، يمكننا اعتبار التسريب الصوتي الأخير المنسوب لأحد مالكي قناة نسمة الخاصة بمثابة اللحظة القصوى في الانفلات الإعلامي وفي تغوّل اللوبيات المالية والسياسية التي تهيمن على المشهد الإعلامي الخاص. وهي لحظة “حتمية” بحكم تراكم العديد من العوامل الموضوعية والمؤسساتية والتشريعية التي حالت دون الإصلاح الحقيقي للمشهد الإعلامي العمومي والخاص.

إنّ المتحدث في التسريب الصوتي هو التعبيرة المثالية عن بلوغ “الجماعة الوظيفية” الإعلامية مرحلتها المافيوزية، تلك المرحلة التي يصبح الحديث فيها عن القانون والأخلاق والحقيقة، بل عن “الدولة ذاتها” مجرد مجاز لا محصول له في الواقع. وهو أمر لا يبدو أنّ هناك في المدى المنظور ما يدعو إلى التفاؤل بإمكانية تجاوزه. فمن الواضح أنّ من مصلحة الكثير من الأطراف الوازنة استمرار هذه الفوضى والدفع بها إلى نهاياتها المنطقية: الانقلاب على المسار الديمقراطي برمّته والعودة إلى مربّع الدولة الاستبدادية التابعة بعد غلق”مُعقّفي” الثورة نهائيا.