صالح التيزاوي : إعلام رهين الإنحياز

يرفض أن يتغير، ويخرج من خدمة الأشخاص إلى خدمة الوطن والشعب، ومن إثارة الفتن إلى إثارة القضايا الجادة. إعلام لا يراعي في شعبه وطنية ولا إنسانية، ولا يراعي تضحية شعبه بدماء أبنائه توقا إلى حرية يستظل بها الجميع من جحيم الإستبداد. لم ينجح حتى بعد الثورة في الإنتقال من إعلام التعليمات إلى إعلام مستقل حقيقة وليس مكرا.

خذل شعبه مرتين: خذله قبل الثورة عندما قبل أن يكون في خدمة “زعيم الأمة” و”منقذ الأمة” بدل خدمة الجمهور. وخذله بعد الثورة، عندما رفض الإنفتاح على تجارب الإنتقال الديمقراطي، والإنخراط الفعلي في القضايا التي تشغل بال المجتمع وأن يكون بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يلاحق بها الفاسدين، وهو يعلم علم اليقين أن الإعلام ركن متين في أي تحول ديمقراطي، ولكنه آثر المصلحة المادية الخاصة على مصلحة المجتمع والثورة، فبقي خشبيا، وطاردا للمشاهد التونسي، يغرد خارج السرب، حيث غابت البرامج التي تشد انتباه المتلقي التونسي، وإن حظيت بعض البرامج بنسب معينة من المشاهدة، فليس مرد ذلك إلى جديتها ولكن إلى ما فيها من إثارة.

لا هو استطاع أن يغير ما بنفسه، ولا قبل بمحاولات إصلاحه حتى غدا عامل شد إلى الوراء. وسبب تعثر كل إصلاح، بل إنه أصبح في بعض ماينتج ملهاة، وفي البعض الآخر مأساة. (المرفق العمومي لا يواكب أول تداول سلمي للسلطة في تونس وفي العالم العربي: بعد انتخابات أكتوبر 2011). وها هو يتعامل بسطحية وسذاجة منقطعة النظير مع ملف وطني في حجم الإصلاح التربوي، ويعادي المربين (أستثني القليل) دون مبررات موضوعية. وها هو لا يغطي الحراك الإجتماعي في أكبر ولايات الجمهورية، ولاية تطاوين على خلفية مطالبة أهالي الجهة بحقهم في التنمية، خاصة وأن أكثر الشركات البترولية موجودة بالمنطقة، فهل من المقبول بعد الثورة أن يبقى التهريب، والتجارة البينية غير المستقرة مع ليبيا هما المصدر الأساسي للرزق في “ولاية النفط”. وهل من المعقول ان تكون الولاية على هذا القدر الهائل من الثروة، وشبابها يعاني من البطالة؟

كل هذا و”إعلام الجبن والطمع” على حد تعبير الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي غارق في وحل الإصطفاف الحزبي وتغذية الخلافات والصراعات الحزبية.

إعلام رهين غرف مظلمة وعنيفة: (تحالف المال والسياسة) توجهه كما تشاء، وتحدد له أدواره، خدمة “لقياصرة المال والنفوذ” و”كهنة الأيديولوجيا” و”أباطرة الفساد”، وأولئك جميعا هم عناوين الثورة المضادة. كل ذلك على حساب المجتمع وثورته المباركة التي استبشر بها خيرا.

لقد شهدت مرحلة ما بعد الثورة ظهور برامج تلفزية وإذاعية تخصصت في ترذيل الثورة وكل الذبن يدافعون عنها، وقد نجحت تلك البرامج في فرض أجندات لا علاقة لها باستحقاقات الثورة واستطاعت بناء رأي عام تمت تعبئته ضد الثورة، وتوظيفه في اتجاه حزبي معين في الإنتخابات الأخيرة (أكتوبر 2014) مما سرع بعودة المنظومة القديمة إلى الحكم، بعد أن نجح الإعلام في إقناع البسطاء من الناس أن وضعهم قبل الثورة كان أفضل. ونجح الإعلام في تحميل الثورة كل المآسي التي خلفها النظام النوفمبري. مستغلا أسوأ استغلال تعثر الثورة في تحقيق أهدافها بسبب ما واجهته من عراقيل. فأي قيمة لمرفق عمومي لا يهتم بقضايا المواطنين ويطرحها للنقاش بكل موضوعية، بعيدا عن الإثارة والتوظيف؟ وأي خير يرجى من إعلام منحاز، يرفض الحياد والموضوعية؟

إعلام يصطف ضد آلاف المربين، وآلاف العائلات، وآلاف التلاميذ…

إعلام يحجم عن تغطية حراك اجتماعي سلمي في ولايات الكاف وتطاوين والقيروان، خدمة للثورة المضادة.

لقد كان حريا بإعلام ما بعد الثورة أن يقف إلى جانب المواطنين، يساندهم في حراكهم السلمي تحقيقا لطموحاتهم المشروعة إلى العدالة والتنمية والتشغيل..

خلاصة القول: نحن إزاء إعلام يحتكم إلى معايير أخلاقية تنطوي على قدر كبير من النفاق، حين يغمض عينيه على فشل الدولة في التنمية طيلة ستين عاما، ويشنع على الثورة إخفاقها في ستة أعوام. وحين تكون الثورة المضادة خلف الإحتجاجات فهي مشروعة كما حدث أيام الترويكا، وحين ينتفض شباب الثورة فنحن أمام مؤامرة على الدولة، كما يحدث هذه الأيام في ولايات تطاوين والكاف والقيروان.

لقد تعامل الإعلام مع الثورة على قاعدة الضرر، فيما تعامل مع الثورة المضادة على قاعدة النفع.

حتى أن المتابع للإعلام التونسي لا يملك إلا أن يتساءل:
“هل شهدت تونس حقا ثورة؟” (فيصل القاسم).
وهل أصبح من الضروري “الهدم من أجل إعادة البناء” كما ذهب إلى ذلك الإعلامي بقناة الجزيرة الحبيب الغريبي.