برنامج السكن الأوّل: حلّ لأزمة السكن أو لإنقاذ المُضاربين؟

أعلنت لجنة المالية والتخطيط والتنمية يوم الأربعاء 08 فيفري 2016، تقدّمها بطعن في الأمر الحكومي عدد 161 المتعلق بضبط شروط الانتفاع ببرنامج المسكن الأول أمام المحكمة الإدارية نظرا لعدم تطابقه مع ما جاء بالفصل 61 من قانون المالية لسنة 2017، إضافة إلى استدعاء ثلاثة وزراء للمساءلة. هذا وقد أعطت حكومة يوسف الشاهد اشارة انطلاق مشروع برنامج السكن الأول الذّي تعهّدت به منذ بداية تسّلمها مهامها، خلال لقاء احتفالي في قصر الضيافة في قرطاج يوم الخميس 02 فيفري الفارط. قانون المسكن الأوّل الذّي تُحاول الحكومة إسباغه بطابع اجتماعي والترويج له كحلّ لأزمة السكن يحمل في طيّاته جرعة الإنقاذ للفاعلين في القطاع العقّاري الذّي يشكو من كساد وتراجع كبير للمبيعات بفعل الأزمة الاقتصادية التي أثّرت في المقدرة الشرائية للمواطنين.

الالتفاف على الفصل 61 من قانون المالية
منذ طرح برنامج السكن الأوّل ضمن الفصل 61 من قانون المالية لسنة 2017، أثار هذا الأخير جدلا واسعا في مجلس نوّاب الشعب، وقد تمحورت أغلب الانتقادات حينها حول ضرورة توسيع قاعدة المنتفعين من هذا الإجراء وكذلك مجالات الانتفاع به أي عدم الاقتصار على المساكن المعروضة من الباعثين العقاريين ليشمل بناء المسكن أو التعامل المباشر بين الافراد. النقاشات انتهت بإسقاط شرط التعامل عبر باعثين عقّاريّين وصدور الفصل خاليا من ايّ إشارة لهذا المسلك الذّي اعتبره بعض النوّاب حينها مناورة لإنقاذ هؤلاء ومخالفا للدستور ويمسّ بمبادئ المنافسة.
تتولّى الدولة إحداث خطّ تمويل بمبلغ 200 مليون دينار لفائدة الفئات متوسّطة الدخل. يتمّ بمقتضاه توفير قرض ميسّر لتغطية التمويل الذاتي المطالب بها المنتفع قصد اقتناء مسكن أوّل.
ويتمّ ضبط صيغ البرنامج وشروط الانتفاع بالتمويل على موارد الخطّ المذكور وإجراءات اسناده بمقتضى أمر حكومي.
الفصل 61: احداث خطّ تمويل لدعم قطاع السكن الأوّل في إطار برنامج المسكن الأوّل
الأمر الحكومي عدد 161 لسنة 2017 المؤرخ بالرائد الرسمي بتاريخ 31 جانفي 2017، التفّ على الفصل 61 من قانون المالية 2017، إذ نصّ في الفصل الثالث منه على وجوب التوجّه إلى الباعثين العقّاريين الذّين تمّ تحديدهم في بلاغ وزارة التجهيز للاستفادة من برنامج السكن الأوّل. هذا الانتهاك الواضح لقانون مصادق عليه خلال جلسة عامة لمجلس النوّاب، يعكس الإصرار الحكومي على تنفيذ الرؤية الحكومية وتعمّد الالتفاف على الفصل 61 وفرض التصوّر الخاص لحكومة الشاهد وآليات انجاز برنامج السكن الأوّل. لتكون الصيغة المنشورة كالآتي:
ـ يعد مسكنا أولا على معنى هذا الأمر الحكومي المسكن الجديد المعد للسكنى بصفة أصلية، المتكون على الأقل من غرفتين وقاعة استقبال والمنجز من قبل باعثين عقاريين مرخص لهم والذي لا يتجاوز ثمن التفويت فيه 200 ألف دينار.
الفصـل 3
يتم توفير المساكن في إطار هذا البرنامج من المنتوج العقاري للباعثين العقاريين من المساكن الجاهزة أو التي هي في طور الإنجاز أو المبرمجة للإنجاز.
الفصـل 4
لجنة المالية تطعن في الأمر الحكومي “المشبوه”
بعد أقلّ من أسبوع على إعطاء إشارة الانطلاق لبرنامج المسكن الأوّل، تحرّكت لجنة المالية والتخطيط والتنمية في مجلس نوّاب الشعب بتقديم طعن في الأمر الحكومي عدد 161 أمام المحكمة الإداريّة بعد اجتماعها يوم الأربعاء 08 فيفري 2017. كما تقرّر تنظيم جلسة مساءلة لكلّ من وزيرة المالية لمياء الزريبي، محمد صالح العرفاوي وزير التجهيز والإسكان والتهيئة الترابيّة وإيّاد الدهماني الوزير المكلّف بالعلاقة بمجلس نوّاب الشعب.
ويرتكز قرار الطعن على عدم تطابق الأمر الحكومي المذكور مع ما جاء بالفصل 61 من قانون المالية لسنة 2017 خصوصا في فصله الثالث المتعلّق بشروط الانتفاع واقتناء المنزل عبر الباعثين العقّارييّن.
في هذا السياق، أكّد رئيس لجنة المالية، النائب منجي الرحوي خلال اتصال جمعه بنواة، “أنّ الأمر الحكومي يمثّل انتهاكا خطيرا لعلوية قرارات مجلس النواب وتدخّلا سافرا من الدولة في قانون السوق والتنافس النزيه”. واعتبر هذا الأخير أنّ “هذا القانون يحمل شبهة فساد واضحة لخدمة قطاع الباعثين العقّاريين، الذّين سيكونون المستفيدين الوحيدين من هذا البرنامج وفق صياغته الحاليّة”. إذ ستعمد الدولة إلى ضخّ ما يناهز 1000 مليون دينار إلى سوق العقّارات (باعتبار خطّ التمويل المقدّر ب200 مليون دينار يمثّل 20% من قيمة السكن) ليتمّ توزيعها على “حفنة من الباعثين العقّاريين لا يتجاوز عددهم الثلاثون” والذّين تمّ اختيارهم دون مقاييس واضحة، بل تكشف قوائم المساكن والباعثين عن وجود انتهاكات خطيرة تتمثّل في إدراج أراض بيضاء ضمن قوائم المساكن حسب محدّثنا. ليضيف أنّ الدولة تعمد بقرارها هذا إلى تبييض الفساد في القطاع العقاري، وإنقاذ المضاربين بدل العمل على تخفيف الضغط على المواطنين. إذ كان يجدر العمل على تخفيض قيمة العقارات بدل توجيه المال العمومي لإنقاذ الباعثين العقّاريين وتثبيت الأسعار المشطّة للعقارات.
وبخصوص استدعاء الوزراء المعنيّين بالمساءلة، أوضح رئيس لجنة المالية والتخطيط والتنمية، أنّ النوّاب سيطالبون بالاطّلاع على جميع الملفّات بدأ بحيثيات إعداد الفصل 61 من قانون الماليّة مرورا إلى المشاورات مع غرفة الباعثين العقاريين وإجراءات إصدار الأمر الحكومي.
الجهات الداخليّة دون مساكن
أصدرت وزارة التجهيز والإسكان بلاغا إثر إعلان انطلاق البرنامج الحكومي للمسكن الأوّل لشرح شروط الانتفاع الخاصّة بالبرنامج وقائمة المساكن الجاهزة أو في طور الإنجاز. هذه القائمة، كما العديد من المشاريع الحكومية أو الخاصّة السابقة، تكشف عن تواصل النهج الرسمي القائم على إقصاء المناطق الداخليّة واستمرار تركيز معظم المشاريع الاستثمارية والتنموية داخل الشريط الشرقي الكلاسيكيّ.
التوزيع الجغرافي للولايات المعنية ببرنامج السكن الأوّل
المصدر: وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية
الولايات عدد مشاريع الإسكان المتوفرّة أو في طور الإنجاز
تونس 8
منوبة 14
بن عروس 51
أريانة 24
صفاقس 24
المنستير 5
سوسة 6
نابل 4
بنزرت 4
قابس 2
مدنين 2
جندوبة 1
سليانة 1
المهدية 3
زغوان 1
المجموع 150
التوزيع الجغرافي للمشاريع الاسكانية، وإن كان مبنيّا على التفاوت الديمغرافي بين ولاية وأخرى، وأهميّة الطلب في المدن الكبرى على غرار منوبة أو تونس أو أريانة أو بن عروس وصفاقس، إلاّ انّه لا يبرّر غياب ولايات بأسرها عن البرنامج الحكومي للسكن الأوّل، والتي تتمركز أغلبها في الشريط التقليدي للولايات الأكثر فقرا والأقلّ تنمية كباجة والكاف والقصرين وسيدي بوزيد والقصرين والقيروان وقفصة وتوزر. هذا الخلل في التوزيع الجغرافي لا يشذّ عن التمشي العام للبرنامج الحكومي للاستثمار والتنمية والذّي تجلّى في أكثر من مناسبة لعلّ آخرها الندوة الدولية للاستثمار تونس 2020.
تغوّل القطاع الخاصّ والمضاربة على حساب الحقوق الاجتماعية
بعد الإعلان عن مشروع قانون المالية لسنة 2017، أصدر الخبير الاقتصادي مصطفى الجويلي دراسة تناولت أوجه الفساد التي شابت الموازنات العمومية للدولة من ضمنها الفصل 61 الخاصّ ببرنامج السكن الأوّل. حيث يشير الأستاذ الجويلي إلى أنّ هذا الأمر الحكومي يبدو في ظاهره لصالح الفئات الوسطى وذلك بتمكين الراغبين في اقتناء مسكن أول من الحصول على قرض ميسّر ودعم حكومي لتغطية التمويل الذاتي الذّي تشترطه البنوك. ولكن هذا الإجراء لا يهدف في جوهره إلا إلى المحافظة على الأرباح المرتفعة في قطاع أصبح يشكل أحد أبرز أنشطة المضاربة و الفساد بحسب تعبيره.
ويشير هذا الأخير إلى أنّ الدولة كانت هي المتدخل الرئيسي في مجال السكن و البعث العقاري حتى بداية السبعينات من القرن الماضي، و ذلك عبر الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية SNIT وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية SPROLS. إلاّ أنّ هذا الدور بدأ يتراجع تحديدا منذ سنة 1974 بعد سن جملة من القوانين والتشريعات التي فتحت المجال أمام الباعثين العقاريين الخواص للاستثمار في مجال تشييد وبيع المساكن. إلا أن الاستثمار الخاص في قطاع السكن والبعث العقاري لم يعرف تضخما ملحوظا ومتواصلا إلا بداية من سنة 1990 بعد تحرير الاقتصاد في إطار برنامج الإصلاح الهيكلي وما تبعه من اتفاقيات دولية وهو ما افرز منافسة شرسة للخوّاص المحليّون لم يكونوا قادرين على مجابهتها. وهو ما دفعهم إلى مغادرة القطاعات المنتجة المعرضة للمنافسة واللجوء المتزايد إلى قطاعات المضاربة حيث الربح المضمون والسهل. وقد مثل قطاع السكن والبعث العقاري أحد أهم مجالات المضاربة خاصة مع:
دعم تحرير القطاع بداية من سنة 1990 بسن قوانين جديدة (القانون عدد 90 -17 لسنة 1990 المنقح للقانون عدد 77 -47 لسنة 1977 وإقرار جملة من الإجراءات تشجع “المبادرة الخاصة” وتمنح للباعثين العقاريين الخواص جملة من الامتيازات متعلقة بحقوق التسجيل والإعفاءات الجبائية والمنح المالية قبل أن يقع إدراج القطاع ضمن قائمة القطاعات المنتفعة بمجلة الاستثمار لسنة 1993.
تشجيع البنوك على منح قروض السكن خاصة عبر التسهيلات والامتيازات الممنوحة للقروض الموجهة لشراء مساكن جديدة منجزة من قبل الباعثين العقاريين وذلك بهدف خلق قدرة شرائية وهمية قادرة على استيعاب ما يعرضه هؤلاء الباعثين حسب ما تقتضيه أسعار ونسب أرباح المضاربة. هذا الإجراء كان أيضا في مصلحة القطاع المصرفي الذي استغلّ تزايد الطلب على قروض السكن لتعويض خسائره بعد تراجع الاستثمار في القطاعات الأخرى.
جملة هذه الإجراءات جعلت من قطاع السكن نشاطا ملائما للمضاربة وهو ما تجلّى في الارتفاع المتسارع والمشطّ للأسعار. وتفيد معطيات المعهد الوطني للإحصاء، ارتفاع السعر المتوسط للشقق الجديدة بنسبة 238 بالمائة (أكثر من ثلاث أضعاف ( بين سنة 2000 و2015. ويضيف الخبير مصطفى الجويلي أنّه واعتمادا على بعض المعطيات المتوفرة حول كلفة الانجاز وأسعار البيع، يحقق الباعثون العقاريون نسب أرباح تتراوح )حسب المدن و نوعية الشقق( بين 40 بالمائة و 166 بالمائة. هذا بالإضافة إلى اعتماد هذا القطاع أساسا على التشغيل الهش وتدني الأجور مقارنة بالقطاعات الأخرى.
ويذكّر هذا الأخير أن تقرير” اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد” صنّف قطاع البعث العقاري كأحد أهم مجالات الفساد والتهرب الضريبي.
ويؤكّد تقرير الأستاذ مصطفى الجويلي أنّ تغاضي الدولة وتشجيعها لعمليات المضاربة، أدخل القطاع منذ أربع سنوات في أزمة )وهي أزمة مضاربة و ليست أزمة سكن كما يروج الخطاب الرسمي( تمظهرت أساسا في تراكم عدد الشقق الغير مباعة التي تجاوزت حسب بعض المعطيات 40000 شقّة (24000 منها في تونس الكبرى(. وتعود هذه الأزمة من جهة إلى اختلال التوازن بين الأسعار المعروضة وتآكل المقدرة الشرائية للفئات الوسطى إلى درجة أصبحت فيها حتى القروض البنكية عاجزة عن تنشيطها.
ويستخلص الخبير الاقتصادي مصطفى الجويلي أنّ الأمر الحكومي يهدف إلى المحافظة على المستويات المرتفعة لأسعار المساكن وبالتالي المحافظة على الأرباح الهائلة التي تحققها لوبيات الفساد في قطاع البعث العقاري. وهو ما سيدعم أكثر سلوك المضاربة ويدفع نحو المزيد من تآكل المقدرة الشرائية للفئات الوسطى عبر إثقالها بالديون. ليختم مشيرا إلى أن 60 بالمائة من العائلات التونسية (900000 عائلة) مدينة لدى البنوك و أن حجم التداين العائلي) لدى البنوك فقط( قد تجاوز 16 مليار دينار سنة 2014.

nawat