بقلم نصرالدين السويلمي.. أعظم قرار اتخذه المرزوقي في حياته ..

حين اعلن المرزوقي عن اجلاء ممثلي سفاح الشام من بلادنا الحديثة عهد بثورة الحرية والكرامة ، تتابعت التصريحات الرافضة والمدينة للخطوة ، وتصاعد الامر تدريجيا كلما اقتربت القوى “المتقومجة” من قوى الردة والثورة المضادة ، وبلغت الهجمات بل والتخوين ذروته حين التحمت قوى اليسار “المتبرجوز” وقوى الثورة المضادة و”القومجية” الغارقة في مستنقع التشبيح ، حينها وُضع اول رئيس ديمقراطي عبر تاريخ تونس في مرمى النيران وتحت حوافر الثيران ، وخرجت القوى المترددة والمتمسحة بثورة سبعطاش اربعطاش من مراوحتها وافصحت عن حقيقة معتقداتها “الثورية” وتخلصت من بقية حياء لتضع بيضها برمته في سلة مجرم الحرب ، وحتى تؤصل لاعتناقها مذهب السفاح قامت هذه القوى بإعطاء تعريفات جديدة للحرية والكرامة وسيادة الشعوب والديمقراطية والصناديق والاجرام والشهادة والتّقتيل ..قَدِمت هذه القوى الى حزمة من التعريفات التي حسمت فيها البشرية واصبحت من البديهيات فأدخلت عليها تغييرات دراماتيكية جعلت عاليها سافلها ، ثم اوعز التحالف الثلاثي الى ترسانته الاعلامية بتكثيف الهجمات على المرزوقي وبالتوازي التسويق لمجرم الحرب في تونس التي اصبح شعبها الحر المنتفض قدوة للشعوب المضطهدة في الوطن العربي بل وفي العالم قاطبة.
كنا ومع تواتر المجازر وتهاطل البراميل المتفجرة نوقن ان المرزوقي كان على صواب حين عجّل بقطع حبل الود مع المجرم ودخل معه في عداوة معلنة ، لم يفعل المرزوقي ذلك لأنه تألم لعمقه العربي فحسب ، لا و ليس استجابة لكراس الشروط القومية مثلما افحش بعضهم على القومية ، بل استجابة للشرط الآدمي ، ففي حرمة الدم ينتهي التمايز بين القوميات والعصبيات والمذاهب والاديان ويستقر الامر لدى الانسان الذي كرمه الله ، ذلك بنيان الرب والملعون وحده من يهدم بينان الرب والملعون وحده من يقتل على الهوية ويفحص بصمات الناس فيهب هذا شهادة الوفاة البشعة ويهب ذاك شهادة الحياة الرغدة ، فالانحياز الى العرق والدين يصبح كارثة ان لم يكن التمايز للتنافس في دفع الظلم وتصفية آخر جيوب العبودية المقنعة ، يُحمد مثل ذلك التمايز حين يكون مقدمة لتهشيم احتكار القمح والدواء والماء والحرية ومنع اختزاله لدى فئة او طبقة او دولة او قارة .

كل الاخبار الواردة من الشام تؤكد سلامة التمشي الذي اختاره المرزوقي وليس امام الانفس السوية الا الاشادة بانتصار الاخلاق السياسية على حساب الحسابات السياسية لدى الرجل ، واليوم وبعد فاجعة صيدنايا اصبح من الضروري تكريم الرئيس المرزوقي على منجزه وعلى خميرته الحقوقية التي استشرفت قبل الكل فظاعة السفاح والمستوى الذي يمكن ان يغوص اليه حين يكون بصدد تبعيض اللحم السوري والتفنن الهستيري في هتكه ويصل ذروته باستعمال الحبال الكثيفة في وأد رقاب كثيفة ، يبدو ان الحس الحقوقي لدى المرزوقي مكنه من قراءة خصائص السلوك الدموي للمجرم وخرج باستنتاج يؤكد ان لا علاج ديبلوماسي مع هكذا سفاح ، وان آخر الدواء هو البتر وليس الكي فحسب ، ولنتصور ان المرزوقي هادن سفاح الشام وحسّن العلاقة معه وقدمها في شكل جرعات لشبيحته في تونس، لو قدمها كاقراص مهدئة تساعد الرئيس على امتصاص الكثير من العداوات وبناء تحالفات جديدة على حساب الدم السوري ، وهو يلعم انها ستساعده في مستقبل السجال الانتخابي ، لنتصور ان رئيس اول منظمة حقوق انسان عربية ورئيس اول دولة ديمقراطية في الوطن العربي تورط في علاقة جيدة او حتى عادية مع سفاح موقعة المشانق ، لنتصور ان فاجعة صيدنايا داهمتنا وتونس سبعطاش اربعطاش على علاقة جيدة وربكا حميمية مع احد اكبر مجرمي التاريخ الحديث ، تصوروا ان الرجل الذي صدع آذاننا بالحديث عن حقوق الانسان والحرية والثورة والشعوب ..لم يقطع علاقته بسفاح قتل في سجن واحد 13 الف معتقل !!!! شنقهم !!! 13 الف رقبة تدلت من على الحبال بجريرة الحنين الى الحرية والتطلع الى الكرامة ، 13 الف رقبة اذنبت حين حدّثت نفسها بالعدل وقررت ان سوريا التي يحكمها الفرد العسكري الطائفي تستحق اكثر مما تستحقه كوستاريكا وتشيلي والارغواي التي نفضت عنها ربقة الثكنات والتحقت بركاب الشعوب الحية ، 13 الف سوري شنقوا لانهم صرخوا في وجه الطاغية بالحقيقة ، قالوا ان سوريا العريقة العميقة المتجلببة بحضارات البشرية هي اليوم على بعد آلاف السنين الضوئية من دول افريقية مثل ناميبيا وغانا واثيوبيا الخارجة لتوها من الاقتتال القبلي الضيق الى رحاب دولة الحرية و المؤسسات .
انهم يلومون المرزوقي ويبالغون في لومه لأنه رفض ان يلوث كرامة تونس ، رفض ان يجرح او يثخن في ثورة سبعطاش اربعكاش ، رفض ان يجتمع على ارض تونس شعارين متنافرين الى حد العظم ، ما كان لحقوقي ان يلم شمل “خبز وماء وبن علي لا ” على شمل ” بشار الى الابد” ، ما كان للمرزوقي ان يتورط في الجمع بين شعار ” شغل حرية كرامة وطنية” وشعار ” زنكة زنكة دار دار نحنا رجالك يا بشار” ، ما كان للحقوقي المستأمن على حقوق ثورة الشرفاء ان يتهاون في تلويث شعار “بن علي يا جبان شعب تونس لا يهان” بشعار ” مكتوب على صليبي بشار الاسد حبيبي” ، ثم هل كان سيسلم تاريخ وحاضر ومستقبل الحقوقي البارز اذا طلب السلامة واسترخى في قصره وترك سفارة السفاح في تونس تبذر الوباء وترسل صبيانها في شوارع شاهدة على ملحمة سبعطاش اربعطاش ، ليتفوهوا بفحش الكلام ويصرخوا كالعبيد الهمج ” جوا الشام برا الشام ابو حافظ يا سلام ..يا بشار لا تهتم عندك شعب بيشرب دم ..والله نحنا كبار صغار بنعشق اسمك يا بشار..مكتوب على رماحنا ..نفدي الاسد برواحنا ..واقف عالاساطيح , بإسم الأسد يللا صيح ….

شبيحة كل عباراتهم تدور حول الشخص تنصره في وجه الشعب والوطن ، كيف تراها تلتقي شعارات العبيد وسيدهم مع شعارات الوطن والحرية ونبذ السيد وسحب السيادة منه لصالح المؤسسات لفتصبح سيادية بالفعل ، كيف تلتقي شعارات تمجد الجلاد مع شعارات تنتصر للضحية ” يا مواطن يا ضحيّه إيجا شارك في القضيّة..يا بوليس فيق فيقْ الحجّامة تحكم فيكْ..الكرطوش حي حيْ والحجامة في دبيْ.. يا نظام يا جبان، شعب تونس لا يهان .. خبز وماء، طرابلسية لا.. أوفياء أوفياء، لدماء الشهداء.. اعتصام اعتصام، حتى يسقط النظام..

ايها الرئيس المنتهية عهدته شكرا لأنك فصلت بين شعارات العبيد وشعارات الاحرار ، شكرا لأنك احكمت الفصل بين التنازلات التكتيكية التي تحمي الثورة وبين التنازلات التخريبية التي تحطم بصيلات الثورة وتنتهك خلاياها وتتركها خاوية بلا عمق ولا مضامين ، شكرا لأنك انقذت تونس من شبهة الاشتراك او التأييد او التهاون مع سلخانة صيدنايا ، شكرا لأننا اليوم نشعر بحزن الرحماء ولا نشعر بخزي الجبناء ، شكرا لان تونس ليست طرفا من بعيد ولا من قريب في جريمة الرقاب المتدلية ،شكرا لأننا لم نجامل السفاح حين اخطف 75000 وغيبهم الى يوم الناس هذا ، شكرا لأننا لم نجامله تحت شعار الضرورات الديبلوماسية حين شرد 11 مليون سوري من منازلهم ، شكرا لأننا اليوم نلعن المجرم ونترحم على 13 الف ممن اخمدت انفاسهم حبال السفاح .

رحم الله شهداء موقعة المشانق ولا رحم الله سفاح المشانق .