اغتيال الشهيد بلعيد: شهادات المرزوقي وعلي لعريّض واهم اطارات الداخلية أمام قاضي التحقيق

هي سابقة في تاريخ تونس، أن يمثل كل من رئيس الحكومة السابق علي العريض ورئيس الجمهورية المؤقت السابق المنصف المرزوقي أمام قاضي التحقيق، للإدلاء بشهادتيهما في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد. وهي خطوة، وإن كانت تشير إلى بداية ترسيخ أسس قضاء عادل لا يميز بين الاشخاص أيّا كانت مواقعهم، فإنها تبقى “منقوصة” حسب هيئة الدفاع عن الشهيد، التي جددت المطالبة بالاستماع إلى العريض وإلى عدد من الكوادر الأمنية.

ينشر الشارع المغاربي، حصريا، شهادات تمكّن من الاطلاع عليها، لكل من علي العريض والمنصف المرزوقي وأهم الاطارات الأمنية، التي تم تداول أسمائها في ما بات يعرف إعلاميا “بجهاز الأمن الموازي“. شهادات تاريخية، من منطلق المناصب التي كانت تتقلدها تلك الشخصيات في أعلى هرم الدولة، في ملف أول اغتيال سياسي عرفته تونس في تاريخها الحديث.

المنصف المرزوقي: الحجة الإطار القانوني للأمن الرئاسي

تحول المنصف المرزوقي، الرئيس السابق المؤقت للجمهورية التونسية خلال الحكم الترويكي، إلى طرف في قضية الشهيد شكري بلعيد، تبعا للرواية التي قدمها محمد جمور نائب الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، رواية تفيد أهم تفاصيلها أن المرزوقي أعلم الشهيد بلعيد، في لقاء ثنائي، أن مؤسسات رئاسة الجمهورية تلقت معلومات تشير إلى أنه مستهدف بالتصفية الجسدية.

ووفقا لرواية جمور، فإن بلعيد رفض التمتع بالحماية الأمنية التي اقترحها المرزوقي استنادا للمعلومات التي بحوزة القصر. الرواية بدت خطيرة، ومنطلقا للوصول إلى معطيات جديدة في هذا الملف.

هذه الخطورة فرضت على قاضي التحقيق التوجه إلى قصر قرطاج، أين تم الاستماع إلى الرئيس المرزوقي تطبيقا لأحكام الفصل 288 من مجلة الإجراءات الجزائية. وكانت المفاجأة في شهادة المرزوقي الذي قال “إن رواية جمهور عارية من الصحة ولا أساس لها من الواقع، وإنه لم يختل إطلاقا بالمرحوم شكري بلعيد، ولم يعلمه إطلاقا أنه بلغت إليه معلومات مفادها أنه مهدد بالتصفية الجسدية، كما أنه لم يعرض عليه مطلقا أي حماية أمنية باعتبار أن المعلومات المشار إليها لم ترد عليه مطلقا“.

كما أضاف أن “المرحوم شكري بلعيد لم يتقدم إليه إطلاقا بأي مطلب لتوفير حماية شخصية باعتبار أن حياته مهددة بالخطر“.

وإن كان هذا النفي الكلي لرواية جمور، بتفنيدها جملة تفصيلا، يبقى محمولا على التصديق، ويعسر التشكيك فيه، خاصة وأن الطرف المعني بشكل مباشر في الرواية غير موجود، فإن الحجج التي قدمها الرئيس المؤقت السابق، في إطار بحثه على مزيد إكساء روايته ثوب الحقيقة المطلقة والغير قابلة لذرة تشكيك دنيا، تبدو مثيرة للاستغراب إن لم نقل إنها “مضحكة” رغم أن المقام لا يحتمل الضحك.

ففي سياق دعم روايته بالحجج والبراهين، أوضح المرزوقي أن “سلك أمن الدولة والشخصيات الرسمية منظم بموجب أحكام الفصل 10 من القانون عدد 60 لسنة 1988 المؤرخ في 2/ 06/ 1988 المتعلق بقانون المالية الإضافي لسنة 1988، وقد تم ضبط النظام الأساسي الخاص بأعوان هذا السلك بموجب الأمر عدد 1155 لسنة 2006 المؤرخ في 13/ 4/ 2006، الذي نص في فصله الثاني أن سلك أمن الدولة والشخصيات الرسمية قوى خاصة مسلحة مسؤولة على أمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية وعلى حماية القصور والإقامات الرسمية إلا إذا اقتضت الحاجة وبقرار من طرف رئيس الجمهورية“.

وتابع الرئيس المؤقت السابق “أنه لم تبلغه أي معلومات سواء من طرف المرحوم شكري بلعيد أو من أي جهة كانت سواء وزارة الداخلية أو الأمن الرئاسي، أن المرحوم شكري بلعيد مهدد بالتصفية الجسدية“.

هذا يعني، وفقا للشهادة، أن المرزوقي ينفي أمرين، الأول تقديمه لأي معطيات تفيد وجود تهديد بتصفية زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، والثاني أن يكون قدم أي مقترح بعنوان توفير حماية أمنية للشهيد، وحجته في ذلك الإطار القانوني المنظم لعمل الأمن الرئاسي الذي يقتصر على حماية الرئيس والشخصيات الرسمية والقصور الرئاسية.

الحجة لا تبدو بأي حال من الأحوال قوية، ليس فقط لأن الأمن الرئاسي وفّر، خلال فترة إشراف المرزوقي، الحماية الامنية لأكثر من طرف سياسي نذكر منهم حمة الهمامي ونجيب الشابي، بل ومن منطلق ان مؤسسة الرئاسة، زمن المرزوقي، أبلغت بتاريخ 15 سبتمبر 2015، معطيات لرئيس نداء تونس الباجي قائد السبسي تؤكد وجود بمخطط لاغتياله.

وكان الباجي قائد السبسي قد صرّح لصحيفة المغرب “إن المعلومات بوجود هذا المخطط مصدرها إلى جانب علاقاته الخاصة، رئاسة الجمهورية، وإن المعطيات التي قدمتها الرئاسة وصلته بعد لقاءين جمعا نجله حافظ قائد السبسي بمدير الديوان الرئاسي وقتها عدنان منصر“، لتقترح الرئاسة على قائد السبسي الأب تمكينه من الحماية الأمنية بدل وزارة الداخلية.

ونذكر أن مدير الأمن الرئاسي توفيق القاسمي نفى في تصريح لصحيفة المغرب، أن يكون الأمن الرئاسي وافى رئاسة الجمهورية بأي معطيات أمنية، موضحا أن “مصالح الأمن الرئاسي لم تقدم أي معطيات، لا كتابية ولا شفوية، حول وجود مخطط لاغتيال الباجي قائد السبسي، وأنه في صورة وجود معطيات أمنية حول وجود تهديدات فإن إدارة الأمن الرئاسي لا تنسق إلا مع وزارة الداخلية ومع الشخصيات التي توفر لها الحماية الأمنية“.

وبالعودة إلى شهادة المرزوقي فإنها تضمنت تفصيلا، يبدو أنه كان مسقطا أو، على الأقل، بعيدا عن جوهر الموضوع الذي من المفروض أن يقدم شهادته بشأنه. والتفصيل يتعلق بـ“الأمن الموزاي” ودوره في ملف اغتيال الشهيد شكري بلعيد.

في هذا الخصوص يقول المرزوقي “المعلومات التي تروج عبر وسائل الإعلام حول اختراق وزارة الداخلية من طرف أجهزة أمنية موزاية لا أساس لها من الصحة، وإن وزارة الداخلية مهيكلة ضمن نظام مؤسساتي واضح يستحيل معه أن يتم اختراق أجهزتها الأمنية من أي طرف سياسي كان“.

شهادة تبدو، مرة أخرى، مصحوبة بعبارات التأكيد الجازم من قبيل “يستحيل” و“أي طرف كان“، مع الاستئناس بالإطار المنظم للمؤسسة الامنية كحجة للنفي.

ودون الخوض في تفاصيل هذا الملف (الأمن الموزاي) فإن مجرد طرحه من قبل الدكتور المرزوقي دون أي موجب معقول، يثير للاستفهام، ويفهم بحكم التحالف السائد وقتها (الترويكا بأعمدتها الثلاث النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل) على أنه نابع من رحم التضامن بين الحلفاء، لاسيما ان الطرف السياسي المتهم بالوقوف وراء تشكيل ما يعرف بالأمن الموازي هو حركة النهضة.

علي العريض: وزارة الداخلية قامت بدورها

كان علي العريض وما يزال من أكثر الأطراف السياسية والنهضوية تحديدا التي طالتها سهام الاتهامات من قيادات الجبهة الشعبية، والأحزاب القريبة منها، بما يسمونه “بالتهاون في متابعة الأخبار التي ترده، وهو وزير للداخلية، حول إمكانية استهداف الشهيد شكري بلعيد“.

العريض، الذي كان وزيرا للداخلية زمن وقوع عملية الاغتيال السياسية، تم استنطاقه كشاهد في القضية، من منطلق أنه تلقى “تحذيرات من محمد جمور تفيد أن شكري بلعيد مستهدف من قبل مجهولين إضافة إلى مراسلة من شوقي الطبيب عميد المحامين، أعلمه فيها بوجود تهديدات تستهدف الشهيد بلعيد“.

وفي شهادته قال العريض “أنه خلال فترة إشرافه على وزارة الداخلية يتم الاتصال به شخصيا من طرف عدة وجوه سياسية من مختلف الانتماءات هاتفيا، ويتم إعلامه بوجود بعض التجاوزات الأمنية حسب ذكرهم، مطالبين إياه بالتدخل في خصوص هذه المواضيع. وهذه المكالمات عديدة لا يمكن حصرها، باعتبار الظرف الخاص الذي تعيشه البلاد“. موضحا أن “من بين هذه الشخصيات والرموز السياسية التي اتصلت به عدة مرات نائب الأمين العام المساعد لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد محمد جمور“.

وقال العريض “أن ما ذكره جمور من أنه اتصل به هاتفيا خلال موفى شهر ديسمبر 2012 وأعلمه هاتفيا أن المرحوم شكري بلعيد على إثر مغادرته لمقهي، واتجاهه نحو سيارته الراسية في الشارع المقابل، جاء ثلاث أشخاص مسلحين بعصا، مهددين بتصفية شكري بلعيد. وتحميله في تلك المكالمة مسؤولية أي مكروه يلحق بحياة شكري بلعيد. وأنه قد طلب منه وزير الداخلية مده بمعطيات بخصوص هؤلاء الانفار. فإن هذه الحادثة لا يتذكرها على وجه الخصوص“.

كما قال أمين عام حركة النهضة “إن الاتصالات التي جرت بينه وبين جمور لم تتناول مطلقا وبكل دقة موضوع اغتيال شكري بلعيد، إلا انها تناولت في عدة مناسبات، مثلما ذكره سابقا، مسألة حماية الاجتماعات التي يعقدها الحزب الذي ينتمي إليه محمد جمور. موضحا أنه لم يبلغ إليه مطلقا من طرف أي قيادي من حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بأن المرحوم بلعيد مهدد بالتصفية الجسدية والاغتيال. مضيفا أنه كلما بلغ إليه أمر بإمكانية استهداف أي شخصية سياسية في البلاد فإنه يتخذ الاجراءات الامنية لحماية المعني بالأمر“.

مع تشديد العريض على أن الذاكرة خانته، ما حال بالتالي دون تمكنه من استحضار كل تفاصيل المكالمات الهاتفية التي ترده من جمور، فإنه أكد بالمقابل، أن الشهيد شكري بلعيد اتصل به أكثر من مرة ليعلمه “بمسالة متابعته من طرف جهاز البوليس السياسي، وأن هذا البوليس سبق أن تولى ملاحقته ومتابعته قبل 14 جانفي 2011، وهو مستمر في ملاحقته بعد أحداث 14 جانفي. متمسكا بأنه لم يتم حل هذا الجهاز“.

وبحسب شهادة وزير الداخلية الأسبق، فإن تشكيات الشهيد بلعيد تبعتها “إجراءات دقيقة بخصوص إمكانية وجود أمنيين بصدد متابعة وملاحقة المرحوم شكري بلعيد” وبأن هذا التحري “تم بواسطة المدير العام للأمن الوطني والأجهزة الأمنية المختصة“.

ليكتفي العريض في شهادته بالتأكيد “فقط” على أنه أصدر تعليمات للمدير العام للأمن الوطني والمصالح المختصة لمتابعة المسألة. دون أن يكشف في شهادته نتائج هذا التحقيق. ليعود للحديث عن هذا الملف من بوابة الشكاية التي بلغته في رسالة من عميد المحامين وقتها شوقي الطبيب، والتي تتقاطع في كل تفاصيلها مع تشكيات الشهيد بلعيد، التي أبلغها شخصيا للعريض.

هنا، أوضح علي العريض أنه “أحال المكتوب على المدير العام للأمن الوطني للتحري بخصوص إمكانية وجود عناصر أمنية بصدد متابعة تحركات المرحوم بلعيد” وأنه “بعد إجراء التحريات، تمت إفادته لاحقا أنه لاوجود لعناصر أمنية مدنية تم تكليفها بمتابعة تحركات بلعيد. وتبعا لذلك أذن للمدير العام للأمن الوطني بإفادة عميد المحامين شوقي الطبيب بتنجية تلك التحريات“.

الخلاصة من شهادة العريض بشأن إعلامه، قبل وقوع عملية الاغتيال، أن الشهيد شكري بلعيد مستهدف، تتمحور حول مسألتين، المسألة الاولى تتعلق بتأكيد متابعته للملف وفقا للترتيبات الأمنية المعمول بها، بشكل إداري صرف، والمسألة الثانية تتمثل في نفيه التام والكلي لكل الروايات التي قدمها سواء بلعيد، وهو قيد الحياة، وشوقي الطبيب في رسالته الشهيرةـ، وجمور بعد عملية الاغتيال. والروايات الثلاث تصب كلها في اتجاه أن الشهيد كان محل متابعة من قبل مجهولين.

نفي العريض تجاوز تلك الروايات، ليشمل ملفا آخر أسال الكثير من الحبر، وهو ملف الأمن الموازي. في هذا الشأن يقول أمين عام حركة النهضة أنه “بخصوص ما تم تداوله من أن المدير العام للمصالح المختصة محرز الزواري قد ظلع في تكوين مجموعة تولت التحضير لارتكاب عدة اغتيالات، فإن هذا الموضوع لا أساس له من الصحة. موضحا أنه، وباعتباره مباشرا لوزارة الداخلية، فإن كل المنتدبين الأمنيين من طرف وزارة الداخلية يتم تسجيلهم بسجلات رسمية تابعة للوزارة ويخضعون لتكوين موحد جماعي“.

كما أشار إلى أن “المؤسسة الأمنية والأمنيين المشرفين عليها يتميزون بانضباط محكم لا يمكن معه أن يصدر عنهم أي تفكير أو تقرير أو تحريض على اغتيال أي مسؤول سياسي خاصة بعد ثورة 14 جانفي، اقتناعا بمبادئ الثورة” مضيفا أنه” بلغ إلى علمه من طرف الوحدات الأمنية صبيحة يوم 6 فيفري 2013 من طرف قاعة العمليات باستهداف المرحوم شكري بلعيد. وباعتباره وزيرا للداخلية اتخذ كل الإجراءات اللازمة لضبط الجناة وتقديمهم إلى العدالة“.

العودة إلى المربع الاول

خلال الجلسة الأخيرة في قضية الشهيد شكري بلعيد، المنعقدة يوم الجمعة الفارط، طالب عبد الناصر العويني الإذن تحضيريا بسماع علي العريض وعدد من الكوادر الأمنية، وذلك بعد أن سبق أن طالبت هيئة الدفاع عن الشهيد بلعيد بالاستماع إلى أمين عام حركة النهضة بصفته متهما، وليس شاهدا.

تمشي، وإن كان يؤكد استماتة هيئة الدفاع في حصر قضية الاغتيال في محور واحد يتمثل في التمسك بدور ما يسمى بالأمن الموازي في الملف، وما يعنيه ضمنيا من تواطئ وزير الداخلية وقتها علي العريض، فإن المسالة بالنسبة “للأخ علي” ـ كما يحلو لزملائه في الحركة مناداته – لا يعدو أن يكون “تشويشا على القضاء وتدخلا فيه من قبل هيئة سياسية حولت قضية الاغتيال إلى ابتزاز سياسي” (تصريح للشارع المغاربي بتاريخ 2 نوفمبر 2015).

في انتظار تطورات جديدة في قضية اغتيال الشهيد بلعيد، فإنه من المهم التوضيح أن نشر شهادات المنصف المرزوقي، رئيس جمهورية مؤقت سابق، وعلي العريض، وزير داخلية ثم رئيس حكومة سابق، على أعمدة الشارع المغاربي، مستمد أساسا من أهمية القضية، والأطراف المتداخلة فيها، وأيضا من البعد الرمزي والوطني للقضية.